صدى الواقع اليمني – كتب: الكاتب الصحفي سهيل المساح

منذُ انطلاق العملية العسكرية الإسرائيلية على غزة، لم يكن الهدف الحقيقي لحكومة بنيامين نتنياهو هو “القضاء على حركة حماس” كما يُعلن، بل إن الاستراتيجية الأعمق تتمحور حول تصفية القضية الفلسطينية نهائيًا عبر تهجير سكان غزة إلى سيناء، مستغلة في ذلك غطاء الحرب، وسلاح التجويع، والضغط الإنساني الهائل.

تهجير ممنهج تحت غطاء الحرب



السياسات الإسرائيلية تجاه غزة، منذ أكتوبر 2023، لم تكن مجرد رد فعل على هجوم مسلح أو أزمة عابرة، بل جاءت في إطار خطة قديمة متجددة. وقد أشار الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في تسجيل صوتي إلى أن نتنياهو عرض عليه قبل 2011 خطة لترحيل سكان غزة إلى سيناء، لكنه رفضها بوضوح.

اليوم، تُعاد صياغة ذات المشروع، لكن بطريقة أكثر قسوة ووحشية:
حصار خانق، دمار هائل، سياسة تجويع جماعية، واستهداف ممنهج للبنية التحتية المدنية ، لإجبار الفلسطينيين على مغادرة قطاعهم، إما إلى مصر أو إلى دول أخرى، في إطار عملية “تفريغ صامت” لفلسطين.

مصر بين الإغراء والتهديد



بالتوازي، مورست على مصر ضغوط سياسية ودبلوماسية كثيفة، وتُرجّح بعض التحليلات أنها تلقت عروضاً مغرية مقابل فتح الحدود واستقبال المُهجّرين. لكن القاهرة ردّت بتعزيز الجدران الحدودية ورفع مستوى الانتشار الأمني، مع تأكيدات رسمية برفض مشروع تصفية غزة.

بعيدًا عن اللغة السياسية، كان الاعتبار الحقيقي لمصر هو أمنها القومي ، إذ تخشى من أن يؤدي استقبال المُهجّرين إلى توطين دائم، ما يُعطي ذريعة مستقبلية لإسرائيل للتوسع في سيناء، ضمن مشروع إقليمي أوسع يتجاوز حدود فلسطين.

حرب بلا نصر: نتنياهو يهرب إلى جبهات جديدة



مرّت قرابة سنتين منذ بدء العملية، وإسرائيل لم تحقق أي نصر حاسم يُروّج له داخليًا، رغم الكلفة البشرية المهولة. هذا الفشل دفع نتنياهو إلى توسيع رقعة التصعيد:
جنوب لبنان، الجولان السوري، ضربات على إيران، وهجمات على اليمن. كلها تأتي في إطار محاولة لصرف الأنظار عن المأزق في غزة، وتمرير الأجندة الكبرى دون مساءلة داخلية.

إسرائيل في مواجهة تيقظ إقليمي



تعلم إسرائيل أن قوتها المطلقة تتآكل أمام صحوة إقليمية جديدة تقودها ثلاث دول أساسية مهددة: مصر، تركيا، وإيران.
هذه الدول بدأت خطوات فعلية في تحديث ترساناتها الدفاعية والهجومية، وتعزيز علاقاتها العسكرية مع الصين وروسيا. وهو ما يُعيد رسم خارطة التوازنات في الشرق الأوسط، ويضع إسرائيل أمام تحدٍ استراتيجي غير مسبوق.

المشهد العالمي المعقد: جبهات مشتعلة وصراع بلا سقف



لا يمكن فصل السلوك الإسرائيلي عن المشهد العالمي الأوسع، حيث يزداد الصراع حدة بين المحور الغربي (الولايات المتحدة وحلف الناتو) والمحور الشرقي (الصين وروسيا). الحرب في أوكرانيا لا تزال مشتعلة، مع مؤشرات على رغبة غربية لفتح جبهات جديدة بأوروبا الشرقية لتوريط روسيا بحروب إضافية.

أما في الشرق الأوسط، فإن التوتر آخذ في التصاعد، ليس فقط بسبب العدوان الإسرائيلي، بل نتيجة تغيرات جذرية في موازين الردع الإقليمي، فالدول الكبرى لم تعد تكتفي بإدانة السياسات الإسرائيلية، بل بدأت إعادة ترتيب تحالفاتها على أساس المواجهة الشاملة، وهو ما ينذر بتحول المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة بين الكتل الدولية المتصارعة.

رهانات إسرائيل… في زمن الانفجار الكبير



كل ما ترتكبه إسرائيل اليوم في غزة ليس مجرد “ردع تكتيكي”كما تدعي، بل رهان استراتيجي على تفجير الواقع الفلسطيني، بهدف فرض حلول نهائية بالقوة. لكنها في الحقيقة تتحرك في حقل ألغام دولي وإقليمي، حيث باتت مكاسب القوة محدودة، والتورط في المواجهة محفوفًا بالخسائر.

إسرائيل التي أرادت فرض نفسها كقوة حاسمة، بدأت تفقد أوراقها، في ظل انكشاف أهدافها، وتصاعد الردع من خصومها، وتراجع ثقة الحلفاء في قدرتها على فرض واقع دائم، فلا التجويع أنهى حماس، ولا التهجير تم، ولا النصر تحقق.

إسرائيل لن تفهم إلا لغة الردع الحقيقي



المحصلة أن إسرائيل، بقدر ما تُمارس عربدة القوة، فهي تُسرّع في فتح أبواب المواجهة الكبرى. ولسوء حظها، فإن هذا العالم لم يعد أحادي القطب، ولا تقبل شعوبه وحكوماته  بسياسة الأمر الواقع. وإذا كانت إسرائيل تُراهن على إنهيار الداخل الفلسطيني، وابتزاز المحيط والمنطقة فإن خصومها يُراهنون على انهيار مشروعها بالكامل بفعل صلفها المتهور.

🔗 رابط مختصر:

اترك رد