صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي

في السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة لافتة في الفضاء العربي، تمثّلت في هجرة عدد من الكتّاب والمفكرين والصحفيين العرب إلى أوروبا، حيث وجدوا في البيئة الغربية فضاءً مفتوحًا للتعبير عن آرائهم دون قيود سياسية أو دينية غير أن هذا الانفتاح في التعبير، وإن كان في جوهره ممارسةً لحق إنساني أصيل، إلا أنه كشف في الوقت ذاته عن فجوة عميقة بين حرية القول ومسؤولية القول.

الكاتب والصحفي اليمني علي البخيتي يمثل نموذجًا لهذه الظاهرة. فبعد انتقاله إلى أوروبا، تحرّر من القيود التي كانت تحدّ من خطابه في بلاده، وأخذ يعبّر عن قناعاته الفكرية ومواقفه من العقيدة الإسلامية والمفاهيم الدينية والاجتماعية السائدة في اليمن. ومع أن من حق أي إنسان أن يراجع معتقداته ويفكر بحرية، إلا أن دعوة البخيتي العلنية لليمنيين في الداخل إلى تبنّي أفكار وسلوكيات تتنافى مع بنية مجتمعهم الدينية والاجتماعية تطرح تساؤلات عميقة حول حدود الحرية ومسؤوليتها الأخلاقية والاجتماعية.

فالمجتمع اليمني، بطبيعته المحافظة، لا يتعامل مع القناعات الشخصية كمجرد رأي يمكن النقاش حوله، بل كمنظومة قيم تمسّ هوية الفرد ووجوده الاجتماعي. أي محاولة لكسر هذه المنظومة بشكل مباشر، خصوصًا عبر منصات التواصل الموجّهة للعامة، تضع المتلقي في دائرة الخطر — خطر الاضطهاد، والوصم، وربما التصفية الجسدية. وبالتالي، فإن أي خطاب فكري يتجاهل هذه المعطيات الواقعية يتحول من حرية إلى تهوّر، ومن وعي إلى عبث بالوعي العام.

حرية الفكر لا تُختبر في المساحات الآمنة، بل في مواجهة الواقع. ومن هنا، فإن الدعوة إلى التغيير الفكري أو القيمي من خارج المجتمع دون تحمّل تبعاتها داخله تفقد بعدها الأخلاقي. إذ إن من يدعو إلى التمرد من مسافة آمنة لا يشارك الناس ثمن خياراتهم، ولا يعيش نتائج ما يحثهم عليه.

وفي المقابل، ثمّة أصوات داخل اليمن – رغم القيود والمخاطر – تتجرأ على التعبير عن آرائها من الداخل، وتدفع ثمن الكلمة نبذًا أو اضطهادًا أو عزلة. هذه الأصوات، مهما اختلفنا معها، تستحق الاحترام لأنها تواجه مجتمعها بشجاعة لا تختبئ وراء المسافة أو اللجوء السياسي.

إن جوهر النقاش لا يتعلق بحرية الفكر في حدّ ذاتها، بل بالمسؤولية الفكرية في توجيه هذا الفكر، وبقدرة المثقف على الموازنة بين قناعاته الخاصة والبيئة الاجتماعية التي يخاطبها. فحرية التعبير الحقيقية لا تُقاس بمدى الجرأة في القول، بل بمدى الوعي بتبعات القول على الناس.

وبين حرية الخارج ومخاطر الداخل، تبقى المعضلة قائمة:
كيف يمكن للمثقف العربي أن يقول ما يريد دون أن يعرّض مجتمعه أو نفسه للهلاك؟
ربما الجواب يبدأ من وعيٍ أعمق بطبيعة المجتمعات التي ننتمي إليها، قبل أن نحاكمها بمعايير البيئات التي هاجرنا إليها.

🔗 رابط مختصر:

اترك رد