صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي

شهد قطاع الإعلام اليمني والعربي خلال السنوات الأخيرة تحولاً هيكلياً عميقاً، تتجلى ملامحه في تراجع قدرة المؤسسات التلفزيونية التقليدية على الاستمرار ضمن نماذج التشغيل القديمة، وهو ما برز مؤخراً مع إعلان قناة بلقيس إيقاف عملياتها بشكل كامل. القناة، التي تأسست عام 2015 وتتخذ من إسطنبول مقراً لبثها، تمثل نموذجاً لقناة سياسية-إخبارية اعتمدت على تمويل خارجي أكثر من اعتمادها على إيرادات تشغيلية، وهي حالة متكررة في البيئة الإعلامية العربية.

بحسب مصادر داخلية، فإن قرار الإغلاق جاء نتيجة «ظروف قاهرة» ستوضحها الإدارة في بيان رسمي. غير أن المشهد العام يكشف أن الأزمة ليست مجرد حادثة منفصلة، بل تعبير عن تحولات بنيوية في سوق الإعلام، حيث تراجعت جدوى البث الفضائي في ظل انتقال الجمهور نحو المنصات الرقمية ذات التكلفة الأقل والعائد الأعلى.

لقد فقد التلفزيون، كما تشير البيانات العالمية والإقليمية، مكانته كمنصة أولى للاستهلاك الإعلامي، في وقت استحوذت فيه المنصات الإلكترونية على الحصة الأكبر من الإعلان، بفضل قدرتها على قياس المشاهدة وتحليل السلوك الاستهلاكي واستهداف الجمهور بشكل دقيق. وفي المقابل، يواجه البث الفضائي تكاليف تشغيل مرتفعة، تشمل البنية التقنية والتحريرية واللوجستية، دون قدرة مقابلة على تحقيق إيرادات تسهم في استدامة المؤسسة.

هذا التحول يضع وسائل الإعلام التقليدية أمام معادلة صعبة: الاستمرار عبر التمويل السياسي أو المؤسسي — وهو تمويل متذبذب بطبيعته — أو إعادة هيكلة نماذج التشغيل باتجاه منظومة Digital-First تتيح تنويع مصادر الدخل وتقليص التكاليف وتعزيز الحضور الرقمي. وفي الحالة اليمنية تحديداً، زادت الأزمة الاقتصادية والسياسية من هشاشة المؤسسات الإعلامية، ما أدى إلى تقلص فرص العمل أمام خريجي كليات الإعلام، وتزايد أعداد الصحفيين خارج سوق التوظيف.

ولا يمكن قراءة إغلاق قناة بلقيس بمعزل عن هذه الديناميات الأوسع؛ فهو يعكس مساراً عالمياً يتمثل في تراجع هيمنة التلفزيون، دون اختفائه الكامل، على غرار ما حدث مع الصحافة الورقية والراديو أمام صعود التلفزيون في العقود الماضية. فما يتراجع اليوم ليس “وجود التلفزيون” بل “مركزية التلفزيون”، إذ باتت المنصات الرقمية هي اللاعب الرئيسي في تشكيل الرأي العام وصناعة المحتوى الجماهيري.

إن التطورات الراهنة تؤكد أن الصناعة الإعلامية تدخل مرحلة إعادة تموضع استراتيجية تستلزم تبنّي نماذج أكثر مرونة، وتنويعاً في مصادر التمويل، وقدرة أعلى على التكيف مع سلوك الجمهور. كما تفرض على المؤسسات الأكاديمية والبحثية إعادة تقييم برامج إعداد الكوادر الإعلامية بما يتناسب مع بيئة رقمية متغيرة، تتقدم فيها البيانات والتحليلات ووسائط التفاعل على البث التقليدي.

وبذلك، فإن أزمة قناة بلقيس ليست إلا حلقة في سلسلة أوسع من التحولات، تؤشر إلى ضرورة مراجعة البنى التشغيلية والاقتصادية لقطاع الإعلام العربي، وصولاً إلى نموذج إعلامي أكثر استدامة وقدرة على المنافسة في سياق عالمي سريع التغير.

🔗 رابط مختصر:

اترك رد