صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي

بينما كانت “يفرس” بمديرية جبل حبشي قبل أيام تتأهب لإحياء تقليدها السنوي الممتد عبر القرون، المتمثل في “حولية الشيخ أحمد بن علوان”، انبعثت من غياهب الفضاء الرقمي منصات تحريضية تضع السلم الاجتماعي في محافظة تعز على المحك فقد رصد مراقبون منشوراً أثار لغطاً واسعاً، نشره حساب يحمل اسم مستعار “أبو عبد الله السلفي” (مواليد 1998)، يوجه فيه سهام النقد والتكفير تجاه القاضي عبد الرحمن أحمد شرف الدين، أحد أبرز الوجوه القضائية والاجتماعية في محافظة تعز.


لم يكن المنشور مجرد رأي عابر، بل بدا وكأنه “بيان تحذيري” يستهدف القاضي عبد الرحمن أحمد شرف الدين، الذي يشغل منصب قضائي في محكمة المسراخ الابتدائية اتهمه الحساب السلفي بنشر “البدع والخزعبلات” وكونه من “سدنة الأضرحة” الذين تتقاطع مصالحهم مع استمرار هذه الطقوس الصوفية.

والمفارقة الصارخة تكمن في التباين بين هذه الصورة الذهنية المشيطنة، وبين واقع القاضي؛ إذ يُعرف عنه دماثة الخلق، والصفح الجميل، والوداعة التي تترجمها مواقفه المهنية والاجتماعية، حتى مع أولئك الذين اختلفوا معه أو أساءوا إليه، مجسداً بروحانيته الصوفية نموذجاً للتعايش والإحسان.

تتجاوز خطورة هذا “التحريض الرقمي” كونه مجرد سجال فكري، لتتحول إلى وقودٍ لممارسات ميدانية عنيفة فبالعودة إلى فبراير 2025، يبرز شبح الاعتداء الذي طال مسجد العارف بالله “أحمد بن عبد الله الحضرمي” في قرية الغَدَف؛ ذلك المعلم التاريخي الذي صمد لـ 600 عام قبل أن تلتهمه نيران التطرف عقب فعاليات دينية صوفية.

ويرى محللون أن هذه الممارسات تعكس نهجاً لدى بعض الجماعات السلفية في تعز، التي تمنح نفسها تفويضاً “وصائياً” لحماية الدين، وتبيح لنفسها استخدام أدوات قهرية تتراوح بين الهدم والتحريض و الإحراق لفرض فهمها الأحادي للإسلام، وهو ما يصفه مراقبون بأنه امتداد لأيديولوجيات عابرة للحدود، وجدت في جغرافيا اليمن الهشة بيئة خصبة للاستمرار حتى بعد انحسارها في منبتها الأصلي.

في المشهد اليمني المعقد، تبدو الطائفة الصوفية كـ “الحلقة الأضعف” عسكرياً وسياسياً؛ فهي الوحيدة التي لا تملك “أنياباً” مسلحة، ولا تطمح لمكاسب سلطوية، ولا تتلقى تمويلاً خارجياً يغذي صراع البقاء، إنها طائفة تكتفي بأورادها وتراثها الروحي، لكنها في المقابل تقع في مرمى نيران الجماعات المسلحة المدعومة من جهات خارجية، وسط غياب شبه تام للدولة عن القيام بواجبها في حماية التنوع الثقافي والديني.

إن الهجوم على القاضي عبدالرحمن أحمد شرف الدين قبل يوم واحد من فعاليات “ابن علوان” ليس مجرد منشور في “فيسبوك”، بل هو “ترجمة رقمية” لواقع محتقن، ينذر بجولة جديدة من التضييق على الحريات الدينية في تعز، ويبقى السؤال هل ستتحرك السلطات المحلية لحماية رموز السلم والآثار التاريخية، أم سيظل الرماد هو المشهد الختامي لكل منارة صوفية في هذه البلاد؟

🔗 رابط مختصر:

اترك رد