صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي

في قلب كل ظهيرة يمنية، نجد أنفسنا جميعاً في تلك الدوامة المألوفة؛ زحام أسواق القات الذي يبدأ من الثانية ظهراً، رائحة الأكياس الطازجة، وطقوس “المقيل” التي تبدأ بغداء دسم وتنتهي بجلسة تمتد لساعات، و أنا واحد منكم، ولدتُ عام 1993، وعرفتُ “القات” منذ طفولتي، لكن رحلتي الحقيقية معه بدأت في الجامعة، حيث صار رفيقاً يومياً لا يغيب، من الواحدة ظهراً حتى هزيع الليل الأخير، لم أكن يوماً بعيداً عن هذا النسيج، بل كنت في قلبه، أعيش تفاصيل “المقيل” ك ضرورة اجتماعية ووظيفية لا مفر منها.


مع مطلع عام 2026، وتحديداً في الأول من يناير، قررتُ أن أخوض تجربة شخصية، ليس بدافع التعالي على العادة، بل بدافع الفهم، توقفتُ عن التعاطي تماماً لمدة خمسة أيام كاملة، في تلك الأيام الخمس، عشتُ ما نسميه علمياً “أعراض الانسحاب” بكل ثقلها؛ خمول، ضبابية في التفكير، ورغبة ملحة في العودة، و إكتئاب نفسي حاد.

لكن المفاجأة العلمية حدثت بعد ذلك؛ حين عدتُ للتعاطي في اليوم السادس، و توقفت عن التعاطي لأسبوع كامل، وهكذا واصلت على التعاطي المتقطع مرة كل أسبوع، ف وجدتُ أن جسدي لم يعد يطلب المادة بنفس الشراسة، وأن الأعراض الانسحابية بدأت تتلاشى تدريجياً، هنا أدركتُ الحقيقة التي يخبرنا بها العلم إن أدمغتنا ليست “خربة”، بل هي فقط “مرهقة” مادة الكاثينون في القات، وهي “الأمفيتامين الطبيعي”، تُغرق الدماغ بالدوبامين، ومع الاستمرار اليومي لسنوات، تفقد مستقبلاتنا الحساسية، فنصبح نستهلك القات ليس لنشعر بـ “الكيف”، بل لنشعر بأننا “طبيعيون” فقط.


كثيراً ما نتحدث في مجالسنا عن أن العسل اليمني واللحوم الدسمة تمنحنا مناعة ضد آثار القات ف الحقيقة، ومن واقع تجربتي ومطالعتي و معرفتي العلمية، أن هذه الأغذية العظيمة تقوي أجسادنا فعلاً، لكنها لا تستطيع “تحييد” الإجهاد الكيميائي الذي يفرضه التعاطي اليومي لساعات طويلة ف أجدادنا الذين عاشوا طويلاً كانوا يتحركون ويبذلون مجهوداً حركياً جباراً يحرق السموم، بينما نحن اليوم نقضي مقيلنا في سكون، محاطين بمشروبات الطاقة والسجائر، مما يجعل العبء على الكبد والجهاز العصبي مضاعفاً.


أدرك تماماً، بصفتي مواطن يمني يعيش الواقع اليمني، أن “المقيل” هو غرفة العمليات السياسية والاجتماعية،.  أن الانسحاب التام قد يجعلك تبدو في نظر شيخك أو كبير عائلتك أو رئيسك أو زملائك أو اصدقائك “شاذّاً” أو “متثاقفاً” أو حتى “شحيحاً” لكن الذكاء الذي اكتشفتُه ليس في المقاطعة، بل في “الإدارة”.

لقد جربتُ أن أحضر، أن أشارك، أن أكون جزءاً من الحوار والقرار، ولكن مع منح جسدي “استراحات بيولوجية” لعدة أيام، هذه الاستراحة ليست مجرد توقف، بل هي عملية “غسيل كيميائي” طبيعي للدماغ، تجعلني أعود للمقيل التالي بذهن أصفى وقدرة أكبر على الاستمتاع بـ “الكيف” الحقيقي دون أن أكون أسيراً للعادة اليومية المرهقة.

إن الوعي هو المقيل الأكبر
أنا لا أكتب هذا لأقول إنني أفضل من أحد، بل لأقول إنني وجدتُ طريقاً للتصالح بين “صحتي” وبين “مجتمعي” إن التحول من “التعاطي العادي” إلى “التعاطي الواعي والمتقطع” هو فن البقاء في بيئة صعبة ف أنت ب حاجة إليك في أحسن حال و الوطن يحتاج منا أن نكون حاضرين بوعينا، لا غائبين في دوامة كيميائية مستمرة.

إن تجربة الأسبوعين الماضيين علمتني أن أجسادنا تمتلك قدرة مذهلة على التعافي إذا منحناها فقط فرصة للتنفس، فهل يمكننا أن نجعل من “المقيل” مساحة للمتعة الحقيقية والإنتاج، بدلاً من أن يكون استنزافاً يومياً لصحتنا وجيوبنا؟

🔗 رابط مختصر:

اترك رد