صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي
بدأت الحكاية من دروب قرية “يفرس” الوعرة، حيث كانت المسافات الطويلة نحو مدينة تعز ليست مجرد سفر في الجغرافيا، بل كانت رحلة بحث مضنية عن الوعي المطبوع في صفحات الصحف الورقية ومجلة “العربي الجديد”.
في تلك المرحلة المبكرة، كان يتشكل في داخلي تساؤل وجودي حول دوري كمتلقٍ سلبي أمام شاشات التلفاز وصفحات الجرائد، فكنت أتساءل بتمرد بريء: لماذا عليَّ أن أستهلك ما يُبث لي دون أن يكون لي صوتٌ يُسمع أو رأيٌ يُقرأ؟ لم أكن أدرك حينها أن ما كنت أبحث عنه هو “الاتصال التفاعلي”، وهو المفهوم الذي تبلور أكاديمياً في ذهني فور التحاقي بكلية الإعلام بجامعة صنعاء، حيث تعرفت على مصطلح “التغذية الراجعة” بوصفه العمود الفقري للعملية الاتصالية الحديثة.
كنا ننتظر عصر الانفتاح الرقمي بوصفه “الفردوس المفقود” الذي سيمنح الجمهور سلطة القرار وحرية الاختيار. واليوم، وبينما تتربع منصات التواصل الاجتماعي على عرش الحضور الطاغي، متجاوزةً وهج التلفزيون والراديو، نجد أنفسنا أمام مفارقة صادمة.
ف بدلاً من أن تكون هذه التقنيات وسيلة لتعزيز التعددية واستعراض الروايات المختلفة حول الحادثة الواحدة، تحولت إلى “غرف صدى” ينعزل فيها الجمهور داخل أفكاره المسبقة. لقد أصبح المتلقي يبحث عمن يؤكد أوهامه لا عمن يمنحه الحقيقة، فانحسر العقل الناقد لصالح الولاء الأعمى للرواية التي تخدم التوجهات الضيقة.
إن المشهد الإعلامي الراهن يكشف عن أزمة وعي حادة تثير الرثاء، حيث ينساق الجمهور خلف منصات تتغير رواياتها بتغير التحالفات السياسية المتقلبة. ففي هذا الفضاء المتناقض، يصبح عدو الأمس صديق اليوم دون أدنى استشعار لهذا التضاد الفج من قبل المتابعين.
ولعل من المؤلم حقاً أن نصل إلى مرحلة من “التبعية الفكرية” التي تفتقر حتى للحس الفطري الذي تمتلكه الكائنات البسيطة. فالمواشي، برغم بساطتها، تعتاد على إيماءات وحركات معينة من راعيها، وإذا ما حاول الراعي تغيير تلك الإشارات المتفق عليها فجأة، فإنها تبدي مقاومة أو حيرة، كالحمار الذي لا يقبل تغيير “شيفرة” الحركة والوقوف التي اعتاد عليها، بينما نجد كائناً عاقلاً يبتلع تناقضات المنصات الإعلامية دون أدنى تساؤل.
إننا نعيش اليوم في عصر “الوعي المعلب”، حيث يتم توجيه الجماهير كقطعان رقمية تسير خلف صانعي المحتوى والموجهين السياسيين. لقد بات من الضروري إعادة الاعتبار لمفهوم “التغذية الراجعة” كأداة للنقد والتمحيص، لا مجرد وسيلة للموافقة العمياء.
ف الحرية التي منحتنا إياها التكنولوجيا تفقد قيمتها إذا لم تقترن بعقل يقظ يفرق بين الخبر والدعاية، وبين الرواية الصادقة والتضليل الممنهج.
إن العودة إلى روح التساؤل التي كانت تحدوني في طريقي من يفرس إلى تعز، ثم صنعاء، هي المخرج الوحيد لاستعادة إنسانيتنا في مواجهة الآلة الإعلامية التي تحاول تدجين عقولنا.

