صدى الواقع اليمني – كتب حسين الشدادي
في كنف “يفرس” العتيقة، وبينما كان “المقيل” ينسجُ خيوطه من عبق القات وسحر المكان، انبعثت من أفواه الجالسين أساطيرُ تضربُ جذورها في أعماق الزمن؛ حكاياتٌ تتحدث بلسان اليقين عن أبواب جامع الشيخ أحمد بن علوان التي انعتقت من أغلالها الحديدية الغليظة، محطمةً قيود القهر لتنفتح أمام الوفود بقدرةٍ لا تخضع لقوانين المادة.
هي أسطورة بلا ريب، لكنها في ذلك المجلس كانت تُتلى كأنها قدرٌ محتوم، حيث ارتفعت أصوات “الإخوة” بالوعيد والتهديد لمدير الشرطة وأفراده، مراهنين على “كرامات” الشيخ التي لم يطوِها الموت منذ سبعة قرون، بل يزعمون أنها لا تزالُ تفعلُ في الواقع فعل المعجزات النبوية.
أمام هذا المد الجارف من الميتافيزيقيا، وقفتُ وحيداً بكلماتٍ مقتضبة، صاعقة في صراحتها: “أنا الذي لا يزالُ يعاني من قلق الشك في معجزات الأنبياء الكبرى، كيف لي أن أستكين لمروياتٍ تُنسجُ حول خوارق الأولياء؟”. إنَّ دفاعي عن المتصوفة ليس انخراطاً في سلكهم، وإعجابي بفرائد ابن علوان وجزالتها اللغوية ليس إقراراً بمقامه الصوفي؛ فكيف يُحسبُ على التصوف من لا يُقيمُ الصلوات المفروضة؟ إن تقديري هو للجمال، لا للطقوس.
لقد رميتُ بكرة التحدي في ملعبهم: “لو كان لابن علوان ما تزعمون من سطوةٍ غيبية، فليُذق مدير الشرطة وبال أمره الآن، لنخرَّ حينها سُجداً تحت برهان كراماته”.
إن عالم الصوفية يغصُّ بالخرافات التي تأبى العقل؛ فذاك يزعمُ اتصالاً روحياً مع الشيخ في ضريحه كأنه حيٌّ يُرزق، وأنا أقفُ بين ركام هذه الادعاءات بموقفٍ لا يُكذب ولا يُصدق، بل يرتهنُ لـ “مختبر العلم” وحده. فحتى المسلمات الوجودية في النصوص المقدسة، إن لم تكن قادرةً على توليد أسئلةٍ جديدة، فهي إجابات قاصرة بضرورة العقل. منهجي هو أنَّ كل جواب لا يفتحُ أفقاً لسؤالٍ أعمق، هو جوابٌ ميتٌ في رحم الحقيقة.
ليس ثمة مشكلة في أن يؤمن الصوفيةُ بكرامات شيخهم، أو أن يغرق الفيل ف
ي “الصفا”، أو أن تُطوى لهم الأرض في لمح البصر؛ فالحق في الاعتقاد هو “القدسُ” التي لا تُمس. إنَّ القوانين الكونية والمواثيق الدولية تكفلُ للجميع —من الصوفية إلى الحوثيين وكافة الأطياف— حق التعبير عن رؤاهم، طالما لم يتوسلوا بالعنف أو ينشروا الكراهية.
إنَّ من يتوهمُ أن الإسلام يدعو لمحاربة كل فكرة تخالف فهمه القاصر، هو في الحقيقة عدوٌّ للدين قبل أن يكون عدواً للإنسان. فالنص القرآني، ببيانه الساطع، رسّخ حرية الاختيار: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.
من أين استمد هؤلاء المتشددون تفويضاً ليصبحوا “أوصياء الله” في أرضه؟ وكيف يستقيم في عقولهم أنَّ الخالق القادر الذي يقول للشيء “كن فيكون”، يحتاجُ إلى أوهن خلقه وأكثرهم عجزاً لينصبوا أنفسهم حماةً لدينه بسطوة القهر؟

