صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي
بينما كانت خيوط الفجر الأولى تداعب قمم جبال “يفرس” الشماء في تعز، كان ثمة عبق قديم، أقدم من حدود الدول ومن صراعات الساسة، ينبعث من جنبات جامع “الباهوت” الشيخ أحمد بن علوان.
هو ليس مجرد غبار تاريخ، بل هو أنفاس سبعمائة عام من التراتيل، والذكر، والمحبة الإلهية التي لم تكسرها زوابع الزمان، ولكن، في “يفرس” اليوم، ثمة غصة تخنق الحناجر، وثمة “حولية” تقف على مقصلة التجاذبات السياسية، حيث يجد العشاق والزهاد أنفسهم فجأة في مواجهة “ترسانة” من التبريرات الأمنية والبيانات الرسمية التي تحاول تجريف هوية روحية استعصت على المحو لقرون.
كبرياء التاريخ.. سبعة قرون من الوصل
منذ سبعة قرون، واليمنيون يمموا شطر “يفرس” في العشرين من رجب، لا يحملون سلاحاً ولا يرفعون شعاراً سياسياً، بل يحملون قلوباً أتعبتها دروب الحياة، يبحثون عن “سكينة” ابن علوان. هذا الشيخ الذي لم يكن مجرد صوفي منعزل، بل كان صوت المظلومين في حضرة سلاطين الدولة الرسولية. إن “الحولية” في يفرس ليست مجرد طقس عابر، إنها “وثيقة ملكية” روحية للأرض والإنسان، صمدت حين سقطت الممالك، واستمرت حين طحنت الحرب عظام المدن. حتى في أحلك سنوات الحرب الأخيرة، حين كانت القذائف تمزق أحشاء تعز، ظلت “يفرس” واحة خارج الحسابات العسكرية، وظل الباب مفتوحاً لكل من أراد أن يغسل روحه بفيض “الفتوح”.
“جريمة” القات.. حين تضيق العبارة عن اتساع الرؤية
في العام المنصرم، خرج مكتب الأوقاف والإرشاد ببيان “أدبياتي” جاف، يدين فيه مظاهر مضغ القات داخل حرم الجامع. وهنا تبرز المفارقة المؤلمة؛ فبينما تُفتح المساجد في طول البلاد وعرضها لخطابات التحريض وشحن القلوب بالكراهية، تضيق صدور “الرسميين” بجلستي ذكر وسهر يرافقها “غصن أخضر” يراه المتصوفة “وقوداً” لسفرهم الروحي الطويل من الفجر إلى الفجر.
إن علماء الصوفية، في ردهم المفعم بالأدب والمنطق، وضعوا النقاط على الحروف: “القات ليس محرماً لذاته، والمسجد بيت الله الذي يسع المحبين في حالات وجدهم وسهرهم لتمجيد الخالق”. إن محاولة “شيطنة” هذه المظاهر الشعبية ليست إلا واجهة لمشروع “إقصاء ثقافي” يسعى لفرض لون واحد من التدين “المعلب”، الذي لا يفهم لغة الوجد ولا يقبل بتعدد المشارب الروحية. إنهم يتركون “الجواهر” ويتمسكون بـ “القشور”، متناسين أن هؤلاء الذين يمضغون القات في يفرس هم ذاتهم الذين يرتلون القرآن آناء الليل وأطراف النهار، وينشدون قصائد ابن علوان وكأنها “سمفونيات” سماوية ترفرف فوق جبال تعز.
عبثية الأمن.. من “المهرة” إلى “يفرس”!
من أعجب ما يشهده الواقع اليمني اليوم، هو ذلك “الربط التعسفي” الذي تسوقه الأجهزة الأمنية في يفرس. كيف يمكن لعقل منطقي أن يربط بين أحداث “المحافظات الشرقية” في حضرموت والمهرة، وبين “حولية” دينية في أقصى الجنوب الغربي لتعز؟ إن تحجج المقدم مازن البريهي بـ “حالة الطوارئ” والضغوط السياسية في الشرق لمنع دخول الزوار إلى يفرس بعد الثامنة مساءً، هو “فنتازيا أمنية” بامتياز.
إن هذا التضييق، ونصب النقاط العسكرية على مداخل منطقة ريفية وادعة، ليس له من تفسير سوى الرغبة في “خنق” التعبير الجمعي لتيار لا يملك “أنياباً” عسكرية. إنها “فوبيا” التجمعات التي تخيف السلطات، حتى وإن كان المجتمعون هم أرق الناس قلوباً وأبعدهم عن “شؤم السياسة”. إن منع الدراجات والمركبات من الحركة هو “عقاب جماعي” لمريدي الشيخ، واعتداء صارخ على حقهم الدستوري والقانوني في ممارسة شعائرهم المكفولة في مخرجات الحوار الوطني والدستور اليمني الذي يقدس حرية المعتقد والاجتماع.
محنة “الحياد”: الصوفية بين مطرقة السلفية وسندان “الإخوان”
تتجلى مأساة الصوفية في اليمن اليوم في كونها “الطائفة الضحية”؛ فهي الجماعة الوحيدة التي لا تملك “ميليشيا” تحميها، ولا “صنبوراً” إقليمياً يغذيها. في تعز، يجد الصوفيون أنفسهم محاصرين بقطبي “السلطة والقرار”؛ تيار “الإخوان” المهيمن إدارياً، والتيار “السلفي” المتغول عسكرياً (المتمثل في قوات درع الوطن وغيرها).
هذان التياران، رغم خلافاتهما، يلتقيان عند نقطة “إقصاء الموروث الصوفي”. بينما يحظى السلفيون بتمثيل سياسي (حزب الرشاد) ودعم عسكري لوجستي عابر للحدود، يُترك الصوفي في يفرس وحيداً أمام “قمع” مدير قسم شرطة. إنها “جريمة محرمة دولياً” ووفق كل الأعراف الإنسانية؛ أن تُمارس “سطوة الأمر الواقع” لتصفية حسابات فكرية وتاريخية ضد جماعة مدنية سلمية تماماً.
أسطورة “البيرق الأخضر”.. الحقيقة المختطفة
ثمة “خديعة بصرية” يحاول البعض ترويجها لربط صوفية يفرس بجماعة الحوثي، مستغلين لون “البيرق الأخضر”. وكلمة الحق هنا يجب أن تُقال بملء الفم: إن “الأخضر” في يفرس هو لواء “الطريقة الشاذلية والعلوانية” منذ مئات السنين، قبل أن يعرف العالم شيئاً اسمه “الحوثية”. إن رفع هذا البيرق هو تمسك بهوية تاريخية أصيلة، وليس “تبعية” سياسية. إن اتهام الصوفية في تعز بالولاء للحوثي بسبب لون “الخرقة” هو قمة الإفلاس الفكري، ومحاولة “دنيئة” لشرعنة قمعهم أمنياً من خلال وصمهم بـ “الخيانة الوطنية”. إن صوفية يفرس هم “حراس الهوية التعزية” الأصيلة، الذين لم تتلوث أيديهم بمال أو بدم طيلة سنوات الصراع.
نداء إلى الضمير.. أنقذوا “روح” تعز
إن ما يحدث في “يفرس” اليوم هو اختبار لمدى صدق السلطة المحلية في تعز، وعلى رأسها المحافظ ورئيس الجمهورية العليمي. هل ستسمح الدولة لمجرد “رغبات أمنية” أو “توجسات فكرية” أن تطفئ شمعة أوقدها اليمنيون منذ 700 عام؟
إننا نناشد المنظمات الحقوقية، والمثقفين، وكل غيور على تراث هذا البلد، أن يقفوا سداً منيعاً أمام محاولات “عسكرة الطقوس”. إن الصوفية في اليمن ليست مجرد “طائفة”، بل هي “صمام أمان” أخلاقي وروحي، وهي التيار الوحيد الذي لا يبحث عن سلطة ولا يهدد أمن الجار أو الدار.
اتركوا الناس يزورون “باهوتهم”. اتركوا التراتيل تصعد إلى السماء دون استئذان من “نقطة أمنية”. اتركوا “يفرس” تبقى كما أرادها صاحبها؛ ملاذاً للمتعبين، ومسرحاً للجمال، ومحراباً للحب الإلهي الذي لا يعرف “حالة الطوارئ”.
إن “حولية” الشيخ أحمد بن علوان غداً الخميس ليست مجرد موعد في التقويم، بل هي “بيعة” جديدة بين الإنسان وأرضه، وبين الروح وخالقها.. فإياكم أن تكسروا خاطر “اليمن” في قدس أقداسه الروحية.
ملاحظة مهنية: هذا المقال يمثل صوت المظلومية التاريخية لمدينة يفرس، ويستند إلى حق المواطنة المتساوية وحرية المعتقد التي تكفلها المواثيق الدولية والدستورية، محذراً من تحول الخصومة الفكرية إلى قمع أمني يهدد السلم الاجتماعي.

