صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي

منذ انطلاق مهمة أرتيمس 2 مؤخراً، عادت منصات التواصل الاجتماعي لتتحول إلى ساحة معركة فكرية، ف بينما احتفى الملايين بصور كبسولة “أوريون” التي تظهر كوكب الأرض ككرة زرقاء سابحة في الفراغ، شكك آخرون في مصداقية هذه الصور، معتبرين إياها نتاج تلاعب بصري، وبين هؤلاء وأولئك، يغيب المنطق الذي يربط بين العلم والواقع الفيزيائي المشهود.

باعتباري دارساً للإعلام، أدرك تماماً أن الاستشهاد بصور كبسولة “أوريون” وحدها ك دليل فيزيائي قاطع هو استدلال ضعيف منطقياً، ف من الناحية التقنية، تُزود مركبات الفضاء بعدسات واسعة الزاوية تُعرف بـ “عين السمكة” Fisheye Lens هذه العدسات مصممة لتغطية أكبر مساحة ممكنة من جسم المركبة ومحيطها، وهي بطبيعتها تُقوس الخطوط المستقيمة وتصنع حوافاً دائرية للمنظور لذا، من وجهة نظر ناقدة، فإن هذه العدسة قد تُظهر المسطح مستديراً، وهو ما يمنح المشككين ثغرة للنفاذ منها لكن، إذا كانت الصورة خاضعة لتأويل العدسة، فإن “مسار الرحلة” لا يكذب.

وبينما ينشغل الجميع في “بكسلات” الشاشة، يتجاهلون دليلاً هندسياً يراه كل من يتابع عمليات الإطلاق من فوق سطح الأرض ف لو كانت الأرض مسطحة، لكان أقصر طريق للوصول إلى الفضاء هو الصعود الرأسي المباشر (كسهم ينطلق نحو السماء).

لكن ما يحدث في الواقع هو ما يسمى بـ “انعطاف الجاذبية” Gravity Turn بعد الإطلاق بفترة وجيزة، يبدأ الصاروخ برسم قوس منحنٍ يميل تدريجياً نحو الأفق هذا الميلان ليس خطأً في التوجيه، بل هو قمة الذكاء البشري في التعامل مع كوكب كروي.

والهدف من هذا الانحناء هو اكتساب “سرعة جانبية” هائلة  الكبسولة “أوريون” لا تسبح في الفضاء هكذا ببساطة، بل هي في حالة “سقوط حر” دائم نحو الأرض بفعل الجاذبية التي تظل قوية بنسبة تتجاوز 90% في المدارات القريبة.

وهنا نستحضر استعارة تراثية بليغة وهي “الوضيف” (المقلاع الفلسطيني التقليدي) في “الوضيف”، يتم تدوير الحجر بسرعة دائرية هائلة؛ لولا الخيط لما طار الحجر بعيداً، ولولا السرعة لسقط الحجر في يد صاحبه.

ف الدفع الهائل يمنح الكبسولة السرعة الكافية للهرب من السقوط المباشر.

ف الجاذبية تعمل ك خيط “الوضيف” الذي يربط الكبسولة بالأرض و
النتيجة الكبسولة تسقط نحو الأرض، لكن وبسبب انحناء الأرض وكرويتها، فإنها “تخطئ” السطح باستمرار وتستمر في الدوران حوله.

لا يتوقف الأمر عند الأرض، بل يمتد إلى القمر ف مهمة “أرتيمس” تعتمد كلياً على وجود جاذبية قمرية (نعم، للقمر جاذبية تؤثر في الأجسام) ويتم استخدام هذه الجاذبية ك “مقلاع كوني” لقذف الكبسولة مرة أخرى نحو الأرض في رحلة العودة و لولا كروية الأجرام وجاذبيتها، لما نجحت حسابات المدارات التي أوصلت الإنسان إلى هناك وعادت به.

في الدفاع عن المنطق قد لا يحتاج المرء ليكون فيزيائياً تملأ رأسه المعادلات ليدرك كروية الأرض؛ ف التأمل المنطقي في كيفية خروجنا من هذا الكوكب والعودة إليه كفيل بتقديم الإجابة إن الجمع بين فلسفة المنطق وواقع الإعلام يحررنا من “تغلب الأفكار” الضيقة،و المغلوطة، ويجعلنا نرى العلم في مسار الدخان قبل أن نراه في شاشات الهواتف.

🔗 رابط مختصر:

اترك رد