صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي
في يفرس البقعةِ التي نذرتها الجغرافيا للسكينة، وتواثقَ أهلُها على أن تكونَ ملاذاً لتراتيلِ الندى، نبتَ فجأةً ظلٌّ غريبٌ استطالَ حتى حجبَ شمسَ الأمان، هنا، حيث كانتِ الأحلامُ تُبنى لبنةً لبنةً لتكونَ منارةً للعقلِ ومشتلاً للمهنة، استحالَ المآلُ إلى “حياضٍ” محرمة، وسُوِّرتِ الأماني بأسلاكِ الوجع، فغدا “صرحُ التنوير” خندقاً للهواجس، وساحةً تُعزفُ فيها ألحانُ “الحديد” عوضاً عن ترانيمِ البناء.
إنها مأساةُ “المعدن” حين يغتصبُ حقَّ “الماء” في هذه المدينة الوادعة، لم يعدِ العطشُ قدراً سماوياً، بل صارَ “صناعةً” يتقنها مَن بيدهِ مفاتيحُ الينابيع تُحبسُ القطرةُ عن الشفاهِ الذابلة، لتجري نهراً في عروقِ نبتةِ “النشوةِ المُرّة”، أو لترويَ عطشَ الثكناتِ الرابضةِ فوق صدورِ المتبرعين.
فوا أسفاهُ على كرمٍ جادَ بهِ القومُ من لحمِ أكتافهم، ليُردَّ إليهم اليومَ نكراناً في هيئةِ “قيود” ونقاطٍ تفتيشُ حتى في نوايا الغمام.
والمفارقةُ التي تُدمي القلوب، أنَّ الحنجرةَ التي تجرؤُ على الهمسِ بكلمة “أنا ظمآن”، تُرمى فوراً في أتونِ “الزندقةِ الوطنية”، الخيانة العظمى!!
لقد أضحى “التخوينُ” هو السيفَ المصلتَ فوق كلِّ هامةٍ تنحني لتشرب، وأصبحَ الاتهامُ بـ “المروقِ والتبعيةِ للأغيار” هو الردَّ الجاهزَ على أنينِ القضاةِ واستغاثةِ الحكماء، وكأنَّ شربَ الماءِ النُّقاحِ باتَ “بيعةً للخيانة”، وكأنَّ المطالبةَ بالحقِّ في الحياةِ “خروجاً عن الملةِ السياسية”.
إنني أكتب بمدادٍ من وجل، وبأكفٍّ يرتعشُ فيها القلمُ كما ترتعشُ فرائصُ طفلٍ فزَّ من دويِّ انفجارٍ غادرٍ سحقَ سقفَ أمانه، أكتبُ وصوتُ يفرس مخنوقٌ بغبارِ “الواقعِ المفروض”، نداءٌ مخبوءٌ في طياتِ المجاز، صرخةٌ من صدورٍ ضاقت بها السبل، إلى كلِّ ضميرٍ لا يزالُ يرى في الإنسانِ قيمةً تتجاوزُ حساباتِ “القوةِ والغلبة”.
أدركوا “النبعَ” قبل أن يستحيلَ غورا، وأنقذوا “الحقيقة” قبل أن يطمسها غبارُ التخوين، فليسَ من شيمِ الكرامِ أن يُسقى الزرعُ من دماءِ العطشى، أو أن تُبنى “الأمجادُ” فوق رفاتِ الأحلامِ المدنيةِ الموؤودة.
لقد جفَّ الضرعُ، وبحَّ الصوت، ولم يبقَ لنا إلا “الكلمةُ” نطلقها طائراً من ورق، عساها تجدُ مرفأً في قلوبِ مَن لا يزالون يؤمنون بأنَّ “الماءَ” حقٌّ، وأنَّ “الخوفَ” ليسَ قدراً محتوماً.

