صدى الواقع اليمني – كتب: جمال الصامت
الإخفاء القسري ليس مجرد رقم في تقارير أممية أو سطور في صحف حقوقية، بل هو صرخة إنسانية مكتومة، وجه محجوب عن العالم، وعائلة تقف على حافة الانتظار سنوات وربما عقودًا، لا تدري إن كان المختفي حيًا أم ميتًا.
من يقف وراء الإخفاء؟
يُنفَّذ الإخفاء القسري عادةً على أيدي قوات رسمية أو جماعات تعمل بإذن أو دعم الدولة، وقد تقوم به ميليشيات مسلّحة. كل جهة تستخدمه كأداة للضغط السياسي أو العقاب، لتكريس قبضتها الحديدية.
الضحية قد يكون سياسيًا، مفكرًا، ناشطًا، صحفيًا، مدنيًا، رجلًا أو امرأة، كبيرًا أو طفلًا، أو حتى مجرد شخص كان في المكان والزمان الخطأ.
كل شبر يحكي ألمًا
اليمن ليست مجرد خريطة صراع دائم، بل هي حكايات ضحايا لم تُروَ، ووجوه أُخذت من الشوارع والأحياء بلا أثر. آلاف الضحايا في الشمال والجنوب، وكل شبر من هذا الوطن مسرح وشاهد على جريمة الإخفاء القسري.
خلف كل حالة إخفاء انتظار طويل بلا نهاية، كمن ينتظر المطر في صحراء قاحلة. حياة معلّقة، أحلام مؤجلة، وجروح لا تندمل. أطفال يكبرون دون أن يعرفوا آباءهم، زوجات يتساءلن عن مصير أزواجهن، وأمهات ينتظرن عودة أبنائهن.. وربما يرحلون جميعًا قبل أن يعرفوا مصير ذلك المخفي قسرًا.
كل هذه المعاناة ليست مجرد ألم عابر، بل وجع لا يُقاس ومرارة لا توصف، حتى وإن لم تُسجَّل لكل ذلك الألم أرقام كافية في التقارير، فإنه حاضر في كل بيت وذاكرة ووجدان.
نافذة نحو الضوء
لا مخرج من هذا الليل الطويل والسواد الممتد الذي خلّفته أنظمة الشطرين القمعية المتعاقبة، تلك التي اعتلت السلطة بالدم والقهر، ورسّخت إرثًا من القمع والغياب القسري، إلا بتطبيق العدالة الانتقالية؛ فهي ليست مجرد مصطلح قانوني، بل أمل حيّ لأسر الضحايا.
وتبدأ العدالة الانتقالية أولًا بكشف الحقيقة، عبر التحقيق في الجرائم بموجب القانون الدولي وتوثيق كل الانتهاكات التي طالت المخفيين قسرًا وسائر المدنيين. يلي ذلك محاسبة المسؤولين، وإدانة مرتكبي الجرائم، ثم محاكمتهم علنًا أمام قضاء عادل وشفاف، بما يعزز سيادة القانون ويعيد الثقة بين المجتمع والدولة.
ولا تكتمل العدالة إلا حين يُكشف عن مصير المخفيين، وتُمنح أسرهم حق المعرفة بما حلّ بهم، مقرونًا باعتراف علني من الجناة بما ارتكبوه من انتهاكات. فهذا الاعتراف لا يعني العقاب فقط، بل يمثل إعادة اعتبار للمجتمع، ورسالة واضحة بأنه لا أحد يفلت من المساءلة.
كما أن العدالة الانتقالية تشمل تعويض الضحايا وعائلاتهم، وإصلاح المؤسسات لمنع تكرار المأساة.
وعبر هذه الخطوات المتسلسلة، وحدها يمكن لأسر المخفيين قسرًا أن تُغلق فصل الانتظار المفتوح منذ عقود، ذلك الانتظار الذي أنهك القلوب وأرهق النفوس، وجعل الحياة معلقة بين الأمل والخوف، بين الحلم باللقاء وفقدان اليقين.
فمن خلال كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وإعادة الاعتبار للضحايا، يمكن لما بقي من الضحايا وجميع الأسر أن تبدأ رحلة طويلة نحو المعالجة الإنسانية والاجتماعية والوطنية، رحلة تعيد لهم شيئًا من الكرامة التي سرقها الغياب الطويل، وتمنحهم القدرة على استعادة حياتهم بشكل متوازن أكثر، وتخفف من وطأة الألم النفسي والجسدي الذي خلفه الإخفاء القسري، مع إمكانية المساهمة في بناء مجتمع يضمن العدالة والمساءلة، ويضع حدًا لتكرار الانتهاكات في المستقبل.