صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي
في بلاط السلاطين والملوك الذين حكموا الدولة الأيوبية والدولة الرسولية في اليمن نشأ الشيخ الأكبر و الباهوت الأعظم أحمد بن علوان ربيب السلطة، وريث الثراء والفكر، في أسرة لم تعرف الغنى فقط، بل ثراءً فاحشًا يجيء معه العلم والسياسة، والده، علوان بن عطاف، لم يكن مجرد كاتب كما قد نفهم اليوم، بل كان من أعلى المراتب في ديوان السلطان، يصوغ السياسات الداخلية والخارجية، ويرسِل الرسائل باسم السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي إلى ملوك العالم، ويضع القوانين ويقنن الأمور التشريعية، وكان بمثابة وزارة الخارجية والسفير والدبلوماسي والموثق الأعلى في آن واحد.
في هذه البيئة، لم يغتر أحمد بن علوان بالثراء ولا بالسلطة، بل حين بلغ رشده هجر قصور والده ورفاهية أسرته، واعتنق فلسفة الزهد الروحي والتصوف الثوري، مؤسسًا مدرسته الروحية الخاصة، التي لم تتبع أحدًا ولا تقليد أحد، بل بنيت طوبة طوبة على دعائم النضال الاجتماعي والسياسي والديني. كانت رسائله إلى السلطان الرسولي حادة وبياناته الثورية واضحة، لكنها مشفّرة بأسلوب أدبي فذ، لا يراه سوى من يفقه معاني الرموز والمجازات التي امتلأت بها قصائده، والتي تتجاوز ظاهر الكلمات إلى مقاصد روحية واجتماعية وسياسية دقيقة.
قصائد الشيخ الأكبر ليست مجرد شعر، بل علم وفلسفة ورمز، تتكرر فيها الإشارات إلى السكر والخمر والخندريس، لكنها لا تحمل المعنى الظاهر، بل تخدم غرض التشفير والتوجيه لأولئك المخلصين لفكره، الذين يعرفون كيف يفتحون باب المعاني العميقة وراء الكلمات.
في كل بيت شعري، وفي كل مصطلح غريب، ثمة حكمة بالغة وحركة نضالية مشفرة، لم تُفهم إلا بعد زمن، حين بدأ طلابه وأتباعه يفكّون شفرات كتبه وأقواله بعد وفاته، محافظين على إرثه ومبادئه وسط بطش السلطان، ليظل علمه حيًا في ربوع اليمن، رغم انعدام وسائل الاتصال الحديثة قبل الطباعة والنشر.
أعلى ربوة في يفرس، حيث قبره، أصبح مزارًا روحانيًا صامتًا، احتشد حوله طلابه المخلصون، متابعين مسار الشيخ الأكبر، مفكّكين شيفرات رسائله، ناشرين علمه وفلسفته، ليؤكدوا أن سمعته لم تُبنى على العلن فقط، بل على عمق الفهم والوفاء للرسالة والمبادئ.
وهكذا ظهر المساران المتوازيان لانتشار علمه: مسار باهوتي محدود العدد لكنه شديد التمسك بالأسرار الروحية، ومسار سياسي واسع يضم من يفهم ويرى في نضاله رمزًا للحرية والدفاع عن المستضعفين.
لم يزل بعض من أحب بن علوان أو حاولوا الدفاع عنه، يحملون خرافات وقدرات وهمية نسبت لإبن علوان، معتقدين أنهم بذلك يحفظون سمعته، لكن الحقيقة أن الشيخ الأكبر أحمد بن علوان لا يحتاج لأي دعاة كاذبين؛ فجزالة أعماله الأدبية وعمق فلسفته وثراء نضاله السياسي تكفيه ليظل في صدارة عمالقة الأدب العربي، ورمزًا للحرية والمقاومة في اليمن قبل ولادة وسائل الاتصال الحديثة.
محاولات بعض تيارات الإسلام السياسي تشويه إرثه وإسناد أقوال وأفعال لم يقلها لم تؤثر في جوهر سيرته؛ فالحقائق واضحة: رجل عاش في حضن السلطة ورفضها، جمع بين الفكر والثروة والسياسة والشعر والتصوف، ترك إرثًا من الرسائل المشفّرة، والمخطوطات، والقصائد التي تحمل معاني مضاعفة، لتصل إلى من يفهمها وحده، تاركًا للشعب العادي أثره عبر الرمزية العميقة والوفاء لمبادئه.
إن الشيخ الأكبر أحمد بن علوان، سواء عرفه الناس أو لم يعرفوه، يبقى حيًا في إرثه وكتبه وأعماله، لا يموت بموت جسده، ولا يمكن لمروجي الخرافات أن يطفئوا نوره.
إنه رمز الجرأة والنضال والحكمة والفلسفة الأدبية والسياسية، رجل لا يظهر ولا يصيح، لكنه يصنع التاريخ بجزالة أعماله، ويبقى أصدق شاهد على الحرية المستحقة للمستضعفين في وجه السلطان والطغيان.

