صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي
في زمن غدت فيه الخوارزميات هي الحاكم والمشرع للذائقة العامة وتراجعت فيه القيمة الفنية امام طوفان المشاهدات العابراً يقف المتخصص والناقد امام مشهد درامي عربي مضطرب.
مشهد تتنازعه فلسفات متباينة مابين عمق سوري يحفر في وجدان الهوية وانتشار مصري استهلاكي يقتات على صراعات الطبقات وواقع يمني مكبل بالاغلال يحاول الطيران بجناحين من ورق.
ان الناظر في مراة الدراما السورية يلحظ انها لم تزل وفية ل ارستقراطية الفن فهي لا تقدم حكاية فحسب بل تبني عالماً متكامل الاركان تشتبك فيه القيم الاخلاقية مع التراتبية المنطقية للبناء الدرامي.
هناك لا يكون البطل مجرد واجهة بل هو تشريح نفسي معقد يتجاوز ضيق الافق المحلي الى افاق انسانية رحبة.
وفي المقابل نجد السينما والتلفزة المصرية وقد استغرقت في صناعة البطل الشعبي الذي ينتصر لنفسه ب البلطجة المبررة اخلاقياً في تكريس غريب لثقافة العنف والارتقاء الطبقي عبر فوهة المسدس او سطوة المال مما جعل الخيانة في كثير من الاعمال مجرد وجهة نظر او قدر لا مفر منه بدلاً من كونها سقطة وجدانية تستوجب المعالجة.
اما الوجع الاكبر فيتجلى في الساحة اليمنية تلك الساحة التي تعاني مخاضاً عسيراً بين طموح المبدع وشح الموارد.
ان ما قدمه المخرج وليد العلفي في دروب المرجلة يمثل تجربة تستحق التأمل فهي قفزة تقنية لا ينكرها الا جاحد ومحاولة جادة لتطويع العدسة في بيئة تفتقر لادنى مقومات الانتاج الضخم.
لكننا ومن زاوية اكاديمية متخصصة لابد ان نعترف بان جمالية الكادر لا تغني عن ركاكة النص وان الاخراج المبهر يظل جسداً بلا روح اذا لم يسنده اداء تمثيلي احترافي يتجاوز النمطية التي وقع فيها نجوم تربعوا على العرش بفعل الاعتياد لا بفعل التجديد.
ولعل اقسى ما يواجهه الفنان اليمني اليوم هو ذلك التنمر الرقمي الممنهج.
ان تحويل مصادفة بصرية في خلفية مشهد الى قضية راي عام او اللجوء الى زيف الذكاء الاصطناعي لاغتيال الشخصية معنوياً كما حدث مع الفنان صلاح الوافي يعكس حالة من الافلاس القيمي لدى شريحة من الجمهور التي باتت تقتنص العثرات ب المجهر متناسية الظروف القاسية التي يولد فيها الفن اليمني.
ان هؤلاء المبدعين الذين يعملون بميزانيات زهيدة واجور متواضعة يستحقون وقفة انصاف فالفن في اليمن ليس مجرد ترفيه بل هو محاولة بائسة وشجاعة لابقاء الهوية البصرية حية في ذاكرة شعب ارهقته الازمات.
ختاماً ان معيار الجودة لا يقاس بضجيج المنصات بل بالاثر الذي يتركه العمل في وعي المتلقي.
اننا بحاجة الى ثورة في صناعة النص توازي التطور في صناعة الصورة والى جمهور يدرك ان النقد الفني هو بناء لا هدم وان كرامة المبدع هي من كرامة الوطن.

