صدى الواقع اليمني : خاص
في قلب “يفرس”، مركز مديرية جبل حبشي بمحافظة تعز، حيث تتشابك قداسة المكان بضريح “ابن علوان” مع قسوة الفقر الذي ينهش أجساد البسطاء، ولدت ونشأت واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل والغموض في عالم المال و الأعمال إنه أحمد حسن عبد القاهر الشيباني.
لكن قصة الشيباني ليست قصة نجاح عصامي كما قد يروج البعض، بل هي حكاية “تناقض قاتل” يجمع بين سيف العدالة وسطوة المال الحرام، بين الثراء الفاحش في قصور دبي، وبين العوز المدقع في أزقة “يفرس” التي شهدت طفولته وريعان شبابه وزواجه.
عائلة “حراس العدالة” في ضيافة المال المشبوه المفارقة الأكثر فجاجة في ملف الشيباني ليست في هروبه من الجزائر بـ 20 حقيبة مليئة بملايين العملة الصعبة قبيل سقوط نظام بوتفليقة، بل تكمن في “الخلفية العائلية” التي ينحدر منها. فوالده كان قاضياً، وإخوته اليوم يتربعون على عرش “المؤسسات العدلية والرقابية” في اليمن:
شقيق يجلس على منصة القضاء في تعز.
وشقيق آخر، القاضي عبد القاهر حسن، كان يرأس الشعبة الشخصية بمحكمة استئناف صنعاء قبل أن يتوفى العام الماضي.
وثالثهم يشغل منصباً رفيعاً في “الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة”، ذلك الجهاز المعني -للمفارقة- بمكافحة الفساد!
هنا يصرخ السؤال في وجه المنطق: كيف لعائلة تلبس “روب المحاماة والقضاء”، وتوكل إليها مهمة حماية المال العام وتحقيق العدالة، أن تغرق في رغد العيش وتمتلك الأراضي الشاسعة الممتدة من يفرس إلى مشارق الأرض و مغاربها من أموال تدور حولها شبهات غسيل الأموال، واحتكار السلع، والصفقات المشبوهة العابرة للحدود؟ ألا يتساءل قاضي الاستئناف ومسؤول الرقابة عن مصدر المليارات التي يغدقها عليهم شقيقهم “الهارب” من مذكرات التوقيف الدولية؟
صدقة “الستة دولارات”: إهانة الذاكرة بينما ينعم أقارب زوجته في “يفرس” بحياة البذخ والترف المستمد من صنبور الأموال الإماراتي المفتوح، يقف بقية أبناء قريته -رفقاء الطفولة والجيران- في طوابير الذل. في مشهد سنوي يتكرر كل ليلة 27 من رمضان، ينتظر الفقراء في يفرس ما يسمى بـ “الفطرة” من ابن قريتهم الملياردير. والمفاجأة المدوية أن هذه “المكرمة” لا تعدو كونها مبلغاً تافهاً يقدر بـ 6 دولارات (ما يعادل ثمن علبة سجائر فاخرة من تلك التي يحتكرها مصنعه!). حتى هذا الفتات المهين لا يصل للجميع، بل يوزع بانتقائية، في حين تُصد الأبواب في وجوه المرضى والمعوزين الذين يبحثون عن قناة اتصال لنجدة إنسانية عاجلة. لا أرقام هواتف، لا وكلاء يستقبلون الشكاوى، فقط صمت مطبق وجدران عالية تفصل “إمبراطور التبغ” عن أنين مسقط رأسه.
الجحود.. الوجه الآخر للفساد إن تنكر أحمد حسن الشيباني لقريته ليس مجرد بخل، بل هو “إفلاس أخلاقي”. فالرجل الذي استطاع شراء ذمم جنارالات وسياسيين في الجزائر، وفتح أبواب القصور في الخليج، يعجز -أو يتعمد العجز- عن بناء مستشفى صغير أو مدرسة في القرية التي شهدت صرخته الأولى. لقد اختار أن يكون “غريباً” في وطنه، بينما يمول حياة الرفاهية لأشقاء يحكمون باسم القانون، مستفيدين من ثروة جمعت بطرق تكسر كل القوانين.
عدالة السماء وعدالة الأرض قد يكون الشيباني اليوم بعيداً عن مخالب “الإنتربول” بحكم الجنسية والنفوذ، وقد يكون إخوته محصنين بمناصبهم القضائية في صنعاء وتعز، لكن التاريخ لا يرحم، ستظل “الستة دولارات” وصمة عار تلاحق إمبراطورية الشيباني، شاهدة على زمن يُهان فيه الفقير في وطنه، ويُكرم فيه الفاسد، ويأكل فيه “حراس القانون” من مائدة “الخارجين عليه” إنها مأساة يمنية مصغرة في قرية، تلخص وجع وطن بأكمله.

