صدى الواقع اليمني – كتب: خاص
في زمنٍ استمرأت فيهِ الكلماتُ بيعَ ولائها، وصارَ فيهِ “الحرفُ” بندقيةً مأجورةً في سوقِ الأيديولوجيا، يبرزُ صنفٌ من الرجالِ يختارون “النفيَ الاختياري” لا عجزاً، بل ترفُعاً، هنا، في قلبِ المشهدِ اليمني المأزوم، يقفُ مثقفٌ موسوعيٌ، يحملُ في جعبتِهِ ذخيرةً علميةً ووعياً شمولياً يطالُ تخومَ الفلكِ وفلسفةَ المنطق، ليجدَ نفسَهُ أمامَ خيارٍ وجودي: إما الانخراط في إعلامِ الحربِ وتزييفِ الواقع، أو الاعتصام بـ “مزرعةٍ قات متواضعة” وقوتِ الكفاف.
لقد آثرَ هذا المثقفُ أن يغرسَ يدهُ في طينِ الأرضِ الطاهر، بدلاً من غمسِ ريشتهِ في حبرِ التحريضِ والكراهية، إن اعتزالهُ للمهنةِ التي تلوثت بـ “الارتزاق” ليس فشلاً مهنياً، بل هو “أعلى درجاتِ المهنية”؛ إذ لا قيمةَ للخبرِ إذا فَقَدَ ضميرَهُ، ولا قداسةَ للمنبرِ إذا تحولَ إلى مزمارٍ للفتنة.
لكنَّ المفارقةَ المدهشةَ في هذه السيرةِ ليست في “تعاسةِ الواقع”، بل في “طهارةِ الشعور”. ف في الوقتِ الذي يصارعُ فيهِ العالمُ من أجلِ مكاسبَ أنانية، يجدُ هذا الرجلُ قمةَ ذروةِ “الدوبامين” وسعادتهِ الغامرة في نجاحاتِ أحبته، هي حالةٌ من التسامي الوجداني، حيثُ يصبحُ نجاحُ الآخرِ رصيداً شخصياً، وفرحُهم ترياقاً لمرارةِ العيش.
وفي زاويةٍ من زوايا هذا المشهدِ الإنساني، يبرزُ الفتى “عبدالله بن عمر أحمد الشدادي”، طالبٌ في ربيعِ التاسعِ إعدادي، لكنهُ يحملُ في سكينتهِ وقارَ الشيوخ وحكمةَ الفلاسفة، “عبدالله عمر” ليس مجردَ قريبٍ، بل هو “المستمعُ الأخير” في زمنِ الضجيج، ف حين يخوضُ خالهُ في أعقدِ النظرياتِ العلميةِ والتقنية، في الوقتِ الذي يضجرُ فيهِ “المتعلمون” وتتقطعُ حبالُ استيعابِهم، يقفُ عبدالله عمر ك صخرةِ إنصاتٍ مهيبة.
قد لا يدركُ عبدالله عمر كلَّ تفاصيلِ “الوعي الشمولي” الذي يتدفقُ في تلك الجلسات، لكنهُ يدركُ ما هو أعمق: “قيمةَ الإنسانِ المتحدث”، إن تظاهرهُ بالاستيعابِ الكاملِ ليس خداعاً، بل هو “أدبٌ جمّ” ونبلٌ فطريٌ يحمي بهِ قلبَ مفكرٍ آلمه جفاءُ الواقع، هو لا يستقبلُ معلوماتٍ فحسب، بل يمنحُ “الاعتراف” لمن حُرمَ منه في ميادينِ العملِ الملوثة.
إنها قصةُ رجلٍ لم يهزمهُ الإفلاسُ المادي لأنَّ ثراءَهُ المعرفيَّ حصنٌ ممتنع، وقصةُ فتىً أثبتَ أنَّ العقولَ لا تُقاسُ بالأعمار، بل بمدى اتساعِ قلوبها لاحتواءِ الحقيقة، في تلك المزرعةِ المتواضعة، لا تُزرعُ الأشجارُ فحسب، بل تُزرعُ قيمُ الأنفةِ ويُحصدُ فيها يقينٌ بأنَّ النجاحَ الحقيقيَّ هو أن تبقى “إنساناً” في زمنٍ ضاعت فيهِ ملامحُ الإنسانية.

