صدى الواقع اليمني – تقرير: حسين الشدادي
Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!بينما كانت العواصم الإقليمية والدولية تطمئن لنجاح صيغة “تجميد الصراع” في اليمن، الممتدة منذ عام 2019، جاءت رياح البحر الأحمر لتهز أركان هذه الرتابة الجيوسياسية. فمع دخول المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران منعطفاً غير مسبوق بتبادل القصف الباليستي والجوي واستهداف منشآت الطاقة، أعلن المتحدث العسكري لجماعة الحوثيين فرض “حظر شامل وكامل على الملاحة البحرية الإسرائيلية والمحسوبة عليها في البحر الأحمر وباب المندب”.
وهذا الإعلان، الذي تلا إغلاق طهران الفعلي لمضيق هرمز قبل ثلاثة أشهر، لم يعد مجرد مناورة إعلامية أو إسناد رمزي، بل تحول إلى زلزال جيوسياسي قد يكون، من زاوية مغايرة، الصدمة الضرورية لتحريك بركة الملف اليمني الراكدة، وإنهاء سياسة “التجميد العمدي” لصالح فرض واقع جديد يجبر العالم على صياغة حل شامل أو إعادة تفعيل القوات الحكومية الشرعية.
في الأثناء التي تعيش فيها المنطقة وقع انفجارات متسلسلة؛ بدأت ب قصف إسرائيلي للضاحية الجنوبية لبيروت، وتطورت سريعاً إلى رشقات باليستية إيرانية استهدفت قاعدة “رامات ديفيد”، أعقبها رد إسرائيلي مباشر فجر اليوم ضرب منشآت حيوية في طهران وأصفهان وشركة البتروكيماويات في ماهشهر و في قلب هذا الإعصار، لم يكتفِ الحوثيون بإطلاق الصواريخ نحو يافا “تل أبيب” وتسببهم في إغلاق الأجواء الإسرائيلية مؤقتاً، بل نقلوا المعركة إلى الشريان الخانق للاقتصاد العالمي مضيق باب المندب.
عالمياً، كان النظر يتجه إلى مضيق هرمز ك بؤرة للخطر، لكن إغلاق هرمز جعل من ميناء “ينبع” السعودي على البحر الأحمر الملاذ البديل لتدفق النفط وبإعلان الحوثيين الأخير وإعادة استهداف السفن ب فاعلية أكبر، بات “فخ الممرين” حقيقة؛ إذ تعطلت البدائل وصارت خطوط الملاحة الدولية عبر قناة السويس في مهب اللهب الحوثي، مما دفع شركات الشحن الكبرى لإعادة توجيه سفنها فوراً نحو رأس الرجاء الصالح و هذا التطور وضع الولايات المتحدة وشركاءها أمام تهديد “موجع ومباشر” لا يمكن تجاهله أو التعايش معه بضربات دفاعية محدودة.
و ب العودة إلى جذور المشهد منذ عام 2019عقب توقف العمليات العسكرية الكبرى بين التحالف العربي والقوات الحكومية من جهة، والحوثيين من جهة أخرى، دخلت اليمن في حالة من “الخمول والرتابة” وانعدام الأفق هذا الجمود كان نتاج هندسة إقليمية ودولية واضحةضمنت بها الرياض توقف الضربات الصاروخية الحوثية على منشآتها النفطية وعمقها الجغرافي عبر تفاهمات مباشرة وغير مباشرة مع طهران وصنعاءكانت الأولوية السعودية المطلقة -ولا تزال- هي تأمين بيئة استثمارية آمنة لإنجاح رؤية بن سلمان”رؤية 2030″ والمشاريع العملاقة مثل نيوم والقدية، في سياق سباق اقتصادي محموم مع مراكز إقليمية صاعدة ك “دبي” ب قيادة الشيخ محمد بن راشد و أي اختراق أمني للمملكة يعني تراجع ثقة المستثمر الأجنبي، وهو ثمن رفضت الرياض التضحية به لأجل حسم الملف اليمني.
و على المقلب الآخر، تلاشت مخاوف الولايات المتحدة والقوى الغربية من قدرات الحوثيين طالما أنها بقيت تحت سقف منضبط، وامتنعت الجماعة عن إغلاق مضيق باب المندب كلياً خلال الأزمات السابقة ب ما فيها حرب ال12 يوماً بين إيران وإسرائيل نتج عن ذلك إهمال واضح للملف اليمني، وتُركت البلاد من شمالها إلى جنوبها تواجه موتاً اقتصادياً سريراً، وانهياراً للعملة، ومعيشة ضنكة، يدفع ثمنها المواطن اليمني وحده تحت لافتة “لا حرب ولا سلم”.
ومن زاوية التحليل الصحفي القائم على المصالح والتحولات، فإن هذا الدخول الحوثي الفعال والضربات الموجعة للمصالح الأمريكية وحلفائها، يمثل العنصر الكيميائي الذي سيغير طبيعة الأزمة اليمنية برمتها إذ
إن سياسة “التجميد بدلاً من الحل” لم تعد صالحة للاستمرار، لعدة اعتبارات:
منها إجبار واشنطن على مغادرة مربع “الاحتواء حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على الاكتفاء بحرب بحرية دفاعية مستنزفة ك تحالف حارس الازدهار و كذلك الضرر الاقتصادي المباشر سيجبرها على إعادة تقييم الملف اليمني باعتباره بؤرة تهديد استراتيجي يجب تفكيكها، وليس مجرد ملف إنساني ثبّتته التفاهمات الإقليمية.
أما سيناريو تحريك الجبهات في اليمن تمثل خطوط حمراء السعودية ف هذا اسيناريوو فرضية أكثر تعقيداً؛ إذ أن السعودية إذا ما قررت واشنطن وشركاؤها دفع القوات الحكومية الشرعية لاستئناف القتال برياً لإنهاء التهديد الحوثي من الجذور، ستصطدم ب “الفيتو السعودي” ف القرار العسكري والمالي للشرعية اليمنية محكوم ب الكامل ب التوجهات الاستراتيجية للرياض وإيعاز السعودية للقوات الحكومية ببدء الزحف سيعني فوراً إعلان الحوثيين إلغاء التهدئة الحدودية، وعودة الصواريخ الباليستية والمسيّرات لتدك العمق والمنشآت الاقتصادية السعودية هذا السيناريو يمثل كابوساً لخطط التنمية لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ولن يغامر به مطلقاً.
و أمام هذا الانسداد الناجم عن تشابك المصالح السعودية مع التهديد الحوثي، يتبلور المشهد نحو سيناريوهين رئيسيين يتجاوزان صيغة “التجميد” السابقة الأول الذهاب قسراً نحو “الحل الشامل” الخيار السياسي الاضطراري
أن تدرك القوى الدولية والإقليمية أن استمرار سلطة الحوثيين كقوة أمر واقع مهدِدة للملاحة مع استمرار حصارها المالي والاقتصادي سيقود دائماً إلى الانفجار. هذا قد يدفع نحو رعاية دولية عاجلة ومباشرة تتجاوز التفاهمات الثنائية لفرض تسوية سياسية شاملة تضمن تقاسم السلطة والثروة وتسييل الاقتصاد اليمني، مقابل ضمانات دولية صارمة ومراقبة أممية لتحييد الممرات المائية. هنا يكون التصعيد الحوثي قد “فرض السلام” كخيار وحيد متبقٍ.
و إذا استمر الفيتو السعودي حمايةً للتنمية الداخلية، قد تتجه الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تجاوز الحسابات الإقليمية التقليدية والتعامل المباشر مع مكونات يمنية على الأرض تمتلك دوافع ذاتية وجغرافية لمواجهة الحوثيين مثل قوات الساحل الغربي أو المجلس الانتقالي الجنوبي لتأمين النطاق البحري، ومدّها بدعم لوجستي وعسكري وعابر للحدود بشكل مستقل، بالتوازي مع حملة قصف جوي وبحري هي الأعنف منذ سنوات تستهدف مراكز الثقل الحوثي في الساحل والداخل.
لقد أراد شركاء المشهد اليمني لليمن أن يبقى “صندوقاً مغلقاً ومجمداً” لا تنبعث منه روائح الحرب لتقلق الجيران، ولا تُقدم له حلول السلام لتعود الحياة لمواطنيه. لكن حسابات “وحدة الساحات” الإقليمية جعلت الحوثي يكسر هذا القفل.
إن الوجع الحاضر في باب المندب اليوم، ورغم خطورته الكارثية على الوضع الإنساني، هو القوة الوحيدة التي أعادت الملف اليمني إلى طاولة القرار في البيت الأبيض وعواصم القرار العالمي، لقد تحركت البركة اليمنية الراكدة بفعل أمواج البحر الأحمر، والأيام القادمة كفيلة بكشف ما إذا كان هذا التحرك سيقود اليمن نحو حل شامل ينهي المعاناة، أم نحو جولة جديدة من صراع تدار محركاته بعيداً عن الرغبة الإقليمية التقليدية.


