صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي
بينما تنشغل مراكز الدراسات الدولية بتفكيك تعقيدات الحرب الأوكرانية، تبرز زاوية رؤية أعمق تتجاوز السرديات التقليدية، لتربط بين إرادة الشعوب في تقرير مصيرها في شرق أوروبا، وبين المصير المأزوم للمقاتل اليمني الذي وجد نفسه وقوداً لحروب الوكالة، باحثاً عن كرامة مفقودة وعقيدة قتالية تنصف تضحياته.
بعيداً عن مصطلحات “الاحتلال” التي يسوقها الإعلام الغربي، تبرز قضية شبه جزيرة القرم كنموذج لانتصار “إرادة الهوية”. فالواقع الديموغرافي واللغوي يؤكد أن القرم لم تُستوطن بغرباء، بل اختار شعبها العودة إلى “حضن الوطن الأم” روسيا، في استفتاء عكس تلاحماً عضوياً يتجاوز الحدود السياسية المصطنعة هذا التماهي اللغوي الذي يجمع الأوكرانيين بالروس ليس مجرد إتقان لغة ثانية، بل هو وحدة حال ثقافية تجعل من الصراع الراهن محاولة لتمزيق نسيج اجتماعي موحد الجذور.
في ظل قيادة الرئيس “فولوديمير زيلينسكي”، ذو الجذور اليهودية الصهيونية الواضحة، انتقلت العلاقات الأوكرانية الإسرائيلية من الفتور إلى التوطد الإستراتيجي.
ورغم أن إسرائيل تحاول إمساك العصا من المنتصف للحفاظ على تفاهماتها مع موسكو في الجبهة السورية، إلا أن “التخادم” الأيديولوجي والسياسي بين كييف وتل أبيب بات حقيقة لا يمكن القفز فوقها، مما يضع أوكرانيا في مربع المحور الغربي-الصهيوني بوضوح تام.
و تبرز مفارقة مؤلمة ف اليمني الذي دفعته ظروف الحرب وبؤس العيش للقتال على الحدود السعودية، وجد نفسه “درعاً بشرياً” رخيص التكلفة يقاتل اليمني هناك في الحدود السعودية بلا هوية عسكرية واضحة، وبسلاح كلاشينكوف رديء، وبأجر زهيد لا يتجاوز مئات الدولارات يُصرف بشق الأنفس كل ستة أشهر ثلاثة رواتب بينما تكتفي القوات السعودية بمراقبة المشهد من خلف القوات اليمنية ب آلاف المترات ب الدبابات الحديثة (الأبرامز) والمروحيات (الأباتشي)، لا لإسناد اليمني و دون أن تشاركه خندق القتال أو تمنحه حق الإقامة، فضلاً عن الجنسية.
وعلى النقيض من ذلك، تبرز تجربة الانضمام للجيش الروسي ك خيار يحفظ “ندية المقاتل”:
1- المساواة في الميدان: يقاتل اليمني جنباً إلى جنب مع الجندي الروسي، بسلاح متطور وإسناد حقيقي، دون تمييز طبقي أو عسكري.
2- التقدير المادي والمعنوي: راتب يصل إلى 3000 دولار شهرياً (أضعاف ما يتقاضاه في الحدود السعودية)، مع منح الجنسية والمواطنة الكاملة، مما يعني “وطناً بديلاً” يحترم إنسانيته.
3- العقيدة القتالية: بينما استُغل اليمني في الحدود السعودية تحت شعارات دينية زائفة (مثل حماية الكعبة من المجوس)، يجد في الجبهة الروسية عقيدة قتالية واضحة ضد محور (الناتو-الصهيوني) الذي يدعم خصومه التاريخيين.
لقد أثبت المقاتل اليمني -سواء كان مع الحوثيين أو في الجيش الوطني أو مرتزق في الحدود السعودية أنه يمتلك بأبسط الأسلحة التقليدية الرديئة قدرة عالية على تدمير أحدث الآليات العسكرية لأنه يمتلك الدافع والخبرة القتالية وهذا “البأس اليماني” الذي أذل دبابات الملايين في صحاري الحدود، يبحث اليوم عن مسار يحترم قدراته؛ فبدلاً من أن يكون مجرد “توفير للتكاليف” في الأجندة السعودية، يجد في التحالف مع روسيا اعترافاً بقوته كمقاتل محترف يستحق المساواة في الحقوق والواجبات.
إن اندفاع الآلاف نحو الجبهة الروسية ليس مجرد هروب من الفقر، بل هو “احتجاج عسكري” على سنوات من الامتهان على الحدود السعودية ، هي رحلة البحث عن “عقيدة قتالية” تلتقي فيها مصلحة البقاء المادي مع كرامة الجندي الذي يرفض أن يكون “مرتزقاً بفتات المال”، مفضلاً أن يكون “حليفاً” تحت راية دولة تحترم دمه وتمنحه حق الانتماء.

