صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي

في بلدة “يفرس” الوادعة بريف تعز، حيث يمتزج عبق التاريخ الروحي بنسمات الجبال، لم تكن “حولية” القطب الصوفي الأشهر و الامام الاكبر، الشيخ أحمد بن علوان، هذا العام مجرد مناسبة للذكر والاجتماع، بل تحولت إلى مشهد صادم لـ “استعراض القوة” وتدنيس دور العبادة، في حادثة أثارت استياءً واسعاً وأحيت جدلاً قديماً متجدداً حول حدود السلطة الأمنية داخل بيوت الله.

وسط ذهول الحاضرين الذين تقاطروا من شتى بقاع اليمن، من حضرموت إلى تعز، لإحياء ذكرى إمام الصوفية السنية، داهمت قوات أمنية وعسكرية بقيادة المقدم مازن البريهي (مدير قسم شرطة يفرس وقائد المعسكر التدريبي للواء 17 مشاة) حرم الجامع. لم تكن المداهمة لتفتيش عن سلاح أو ملاحقة مطلوبين، بل جاءت لتنفيذ توجيهات مكتب الأوقاف.

لكن المأساة لم تكن في “التوجيه”، بل في “التنفيذ”؛ حيث اقتحم الجنود ببياداتهم العسكرية وجزماتهم القذرة سجاد المسجد الطاهر أثناء صلاة الظهر، في مشهد ينم عن جهل مطبق بقدسية المكان، مع توجيه إهانات لفظية للمصلين المسالمين الذين لم يحملوا سلاحاً ولا عداوة.
مغالطة “الصلاة بالحذاء”: كلمة حق أريد بها باطل
عقب انتشار مقاطع الفيديو التي توثق الحادثة عبر قنوات كقناة “بلقيس” ومنصات التواصل، انبرت الأصوات “المبرمجة” سلفياً لتبرير الفعل بحجة شرعية وهي “جواز الصلاة بالنعال”. وهنا تكمن المغالطة الكبرى؛ فالسنة النبوية أجازت الصلاة بالنعال في “الخلاء” أو “الأرض المكشوفة”، ولم تأمر قط بانتهاك نظافة المساجد المفروشة بالسجاد الغالي الذي يُصان بوجوه المصلين.
إن السؤال المنطقي الذي يطرحه الشارع اليمني اليوم: هل يرضى هؤلاء القادة العسكريون أن يدخل الغرباء بيوتهم ومجالسهم ببياداتهم الملوثة؟ إذا كان الجواب بـ “لا” خوفاً على أثاث الدنيا، فكيف استباحوا بيت ملك الملوك الذي هو أولى بالتعظيم والتطهير؟

الذريعة كانت “منع مضغ القات” داخل الجامع.

ورغم أن الصوفية أنفسهم طالبوا مراراً مكتب الأوقاف -الذي يستحوذ على إيرادات أوقاف ابن علوان الضخمة- ببناء “هنجر” أو ملحق للمقيل بعيداً عن صحن الصلاة، إلا أن الأوقاف لم تحرك ساكناً.

إن كان الهدف “تنظيمياً” حقاً، فقد كان حرياً بالمقدم البريهي وضع الحراسات على الأبواب لمنع دخول القات أصلاً، بدلاً من الدخول بالأسلحة والجزمات لتفتيش “أفواه” المصلين وتدنيس مكان سجودهم.

إنها “بلطجة” بلباس رسمي، تسيء للدولة أكثر مما تخدمها.

يحاول البعض شيطنة أتباع الشيخ أحمد بن علوان بوصفهم “مشعوذين” أو “أدوات سياسية”، وهي فرية يدحضها الواقع؛ فابن علوان هو رائد الصوفية السنية المعتدلة، وكتبه تمثل منهلًا فكرياً أعمق بمراحل من الملازم والشعارات المستوردة.

الصوفية في اليمن هم الكتلة المدنية المسالمة التي لم ترفع سلاحاً، ولم تشارك في صراع، ولم تلوث أياديها بالدماء.

لكن الاستمرار في استهداف كرامتهم داخل مساجدهم، ودفعهم نحو الزاوية الضيقة، هو لعب بالنار.

إن دفع الفئات المدنية المسالمة نحو الشعور بالظلم والاضطهاد قد يولد ردة فعل لا يتمناها أحد، فمن يملك “قوة الصبر” يملك يقيناً “صدق الانتماء”.

ما حدث في يفرس ليس مجرد “خطأ تنظيمي”، بل هو مؤشر خطير على غياب ثقافة احترام المقدسات لدى بعض القيادات الأمنية.

إن الاعتذار للمصلين، ومحاسبة المقدم مازن البريهي وكل أفراده الذين دخلوا بالجزمات إلى حرم المسجد، وبناء الملحقات اللازمة من أموال الأوقاف، هو الحد الأدنى لاستعادة هيبة الدولة التي داسها “البريهي” وأفراده تحت أقدامهم.

🔗 رابط مختصر:

اترك رد