صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي
Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!في عصر المحاكمات الرقمية وسلطة الشاشة البديلة، باتت منصات التواصل الاجتماعي ساحة موازية لإنفاذ القانون، ترفع فيها لوائح الاتهام، وتعرض الأدلة الجنائية، بل وتصدر فيها الأحكام الاعتبارية قبل أن تقول العدالة كلمتها الفصل إن الممارسة الإعلامية الرشيدة، والمسؤولية الحقوقية والقانونية، تفرض علينا التوقف مليا أمام ظاهرتين خطيرتين تشهد النماذج الصحفية اليوم تداخلا معهما، وهما ظاهرة المطالبة بالعلنية المطلقة لمجريات التحقيق، وظاهرة تسريب أحراز القضايا وكاميرات المراقبة لجرائم القتل.
من المنظور الأكاديمي، والقانوني، والمهني، يجب أن تظل العدالة داخل أروقة القضاء لا على جدران منصات التواصل. إن المبدأ الدستوري الراسخ في التشريعات الوطنية والدولية ينص على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات، وبناء على هذا الأساس، فإن لجوء الأجهزة الأمنية إلى ترميز أسماء المتهمين بالحروف الأولى في بياناتها الرسمية ليس تخفيا، بل هو التزام قانوني صارم يحمي الأفراد وعائلاتهم من التشهير الاستباقي الذي لا يمكن تدارك آثاره الاجتماعية والنفسية في حال ثبتت البراءة لاحقا.
أما تسريب مقاطع كاميرات المراقبة لجرائم القتل أو الاعتداء فيمثل انتهاكا مركبا ف من الناحية الجنائية، يعد هذا السلوك إفشاء لأسرار التحقيق الابتدائي، وتدخلا سافرا قد يؤدي إلى إفساد الأدلة المادية، أو التأثير على عقيدة القاضي، أو توجيه إفادات الشهود المحتملين بشكل غير مباشر. ومن الناحية الإنسانية والأخلاقية، يمثل النشر هتكا لحرمة الموتى، وصدمة نفسية متجددة لعائلات الضحايا، فضلا عما يسببه من تطبيع مجتمعي مع مشاهد العنف الدموي.
إن القانون لا يصادر حق المجتمع في الرقابة، لكنه ينظم قنواتها، فالأصل في المحاكمات هو العلنية داخل قاعات المحاكم وليس عبر المنصات الرقمية، حيث تكفل هناك ضمانات الدفاع، وتمحص الأدلة تحت عين القضاء وبحضور الصحافة المهنية التي تنقل الحقيقة بأمانة، بعيدا عن صخب الخوارزميات والبحث عن التفاعلات والمشاركات.
لذا، نتوجه بروح المسؤولية إلى المؤثرين وصناع المحتوى بالتأكيد على أن حسن النية في المطالبة بالعدالة لا يبرر استخدام وسائل تهدم بيئتها القانونية. العدالة تحتاج إلى الوقار والرصانة لتتحقق، وتحويل الجرائم إلى تريند يومي يضر بمسار القضية أكثر مما يخدمها. لنترك القضاء يزن الأدلة بميزان القانون، ولنكن عوناً للمؤسسات الأمنية بالوعي والالتزام، لا بالتشهير والمحاكمات الافتراضية.


