صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي

التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث الكبرى أو احتفاء بالطلقة الأخيرة التي أعلنت النصر؛ التاريخ الحقيقي هو ذلك النبض الخفي الذي سرى في عروق الجبال قبل الانفجار الكبير، إن قضية اليمن مع الكرامة لم تبدأ في صبيحة السادس والعشرين من سبتمبر ١٩٦٢م فحسب، بل بدأت قبل ذلك بعقود، في تلك اللحظات التي قرر فيها الإنسان اليماني أن يكسر جدار العزلة والموت السريري الذي فرضه حكم “آل حميد الدين”.


اليوم، ونحن ننبش في الذاكرة الوطنية، لا نستحضر أسماءً لنؤرشفها، بل نبعثُ روحاً وطنية حاول النسيان طمسها.

إننا بصدد “رد اعتبار” معنوي لكل أولئك الذين دفعوا ضريبة “الوعي” حين كان الجهل هو القانون، والتبعية هي المذهب.

كان نظام “الرهائن” الذي اتبعه الأئمة وسيلةً لسحق الإرادة اليمانية، وتحويل أبناء المشايخ والأحرار إلى أدوات ضغط لضمان الولاء المطلق.

لكن المفارقة التاريخية تكمن في أن تلك “القلاع” و”المنافي” التي أُريد لها أن تكون سجوناً، تحولت إلى مدارس للحرية.


مشايخ آل الشدادي في قلب جبل حبشي وتعز، يبرزون هنا كنموذج صارخ لهذه القضية. لم يكن سجن الشيخ عبد الجليل الشدادي في قلعة القاهرة بحجة مجرد قيد جسدي، بل كان “خلوة وطنية” صقلت وعيه كعالم وشاعر وفقيه، ليعود إلى شعبه لا كرهينة مكسورة، بل كمنارٍ للوعي العرفي والديني، إن قصة آل الشدادي هي اختزال لقصة جيل كامل من “الرعيل الأول” الذين واجهوا التهميش والوشاية، وثبتوا أمام صلف الإمامة الذي حاول سرقة أراضيهم وتشويه سمعتهم، تماماً كما حاول سرقة مستقبل اليمن.


لقد حاول النظام الإمامي تصوير القبيلة كأداة للبطش، لكن “الأحرار الأوائل” قلبوا المعادلة. كانت مشيختهم تعني:
توطين العلم: حين كان التعليم حكراً على سلالة أو فئة، فتح هؤلاء المشايخ بيوتهم لتكون مدارس ومحاجر علمية، كما فعل الشيخ محمد علي صالح الشدادي الذي جعل من داره في “يفرس” منارة تخرج منها القضاة والعلماء، القضاء العرفي كبديل للدولة المغيبة: في زمن غياب المؤسسات، كان هؤلاء الأعلام يمثلون “المرجعية القانونية” التي تحفظ دماء الناس وحقوقهم، بعيداً عن جبايات الإمام وظلمه.

الحفاظ على الهوية الأدبية: إن تمسك هؤلاء بحفظ “المطولات” الشعرية وتراث الأجداد (كأعمال الشيخ أحمد بن علوان) كان فعلاً سياسياً بامتياز، يرفض الذوبان في الهوية التي حاول الإمام فرضها.

الحقيقة التي يجب أن يدركها الجيل الحالي هي أن ثورة سبتمبر الخالدة لم تكن لتنجح لولا تلك “الضربات الموجعة” التي وجهها الأحرار الأوائل لجسد النظام الكهنوتي، لقد أطلقت هذه الرموز الوطنية “الطلقة الأولى” من خلال التمرد على نظام الرهائن، ورفض الوشايات، وتأسيس شبكات وعي شعبي عابرة للمناطق.

إن ما عاناه آل الشدادي وغيرهم من الأسر الوطنية من سجن ونفي وتضييق مادي ومعنوي، هو الثمن الحقيقي الذي عُبدت به طريق الجمهورية، إن هؤلاء الرجال لم يولدوا ليموتوا، بل ليكونوا “نقوشاً حميرية” غير قابلة للمحو، تحكي للأجيال أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بصبر العلماء وفراسة القادة.


إننا في هذه المقالة لا نكتب عن عائلة بعينها، بل نكتب عن “اليمن الذي كان يقاوم الموت بالحب والعلم والصمود”. آل الشدادي هم النموذج، والقضية هي اليمن. هذا المقال هو دعوة لكل باحث ومؤرخ وإعلامي لأن ينفض الغبار عن “الكنوز البشرية” في كل قرية وعزلة يمنية؛ ليعلم العالم أن ثورة اليمنيين كانت “قيامةً” من تحت رمادٍ طويل، قادها رجال لم يلتفتوا للوراء، ومضوا نحو الفجر بقلوب عامرة بالبصيرة.

🔗 رابط مختصر:

اترك رد