صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي
تضج الفضائيات اليمنية ووسائل التواصل الاجتماعي بسيل من التحذيرات والمنظرات حول ظاهرة انضمام الشباب اليمني للجيش الروسي. يتحدثون عن “خديعة”، وعن “الزج بهم في الخطوط الأمامية بلا تدريب”، وعن القتال في “حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل”، لكن، وبالنظر إلى الواقع بعين المقاتل الذي خبر الميادين، نجد أن هذه السرديات تتجاهل عمداً مقارنة جوهرية يهرب منها الجميع؛ الفرق بين أن تكون “مواطناً متعاقداً” وبين أن تكون “درعاً بشرياً مجهول الهوية”.
يقول المنظرون إن روسيا ترسل المجندين للخطوط الأمامية بلا تدريب، وهنا نسأل: أين كان هؤلاء المنظرون حين كان الآلاف من اليمنيين يُساقون إلى حدود المملكة العربية السعودية دون تدريب ليوم واحد؟ في التجربة المريرة على الحدود، كان اليمني يُلقى في فوهة المدفع ببنادق “كلاشنكوف” رديئة، تخذله في أحلك اللحظات بما يعرف بـ “الحشك” (قضم ظفر الطلقة)، مما جعل السلاح نفسه فخاً للموت بدلاً من أداة للدفاع. في المقابل، توفر روسيا تدريباً عسكرياً يتراوح من شهر إلى أكثر قبل خوض المعارك، لأنها تعتبر هذا المجند جزءاً من مؤسستها العسكرية الرسمية، لا مجرد رقم للاستنزاف.
الفارق الأكبر الذي يغفله الإعلام هو “الوضع القانوني”. في الحدود السعودية، قاتل اليمني لسنوات برتب وهمية؛ رتبة “مقدم” أو “عقيد” ليست سوى مسمى لتحديد “فتات الراتب”، بلا رقم عسكري، بلا سجل في وزارة دفاع، وبلا أي أمل في الحصول على جنسية أو حتى إقامة. في روسيا، يحصل المجند على الجنسية بعد شهر واحد من توقيع العقد. هو لا يقاتل كـ “مرتزق” أجنبي، بل يقاتل بصفته “مواطناً روسياً” يدافع عن بلده الجديد، هو يملك “عقداً” يمنحه الحق في استجلاب عائلته وتجنيسهم، ليعيشوا بكرامة المواطن لا بمهانة “العامل باليومية” عند ضباط يوزعون الرواتب كأنها صدقات.
في روسيا، يقف اليمني (الذي صار روسياً) جنباً إلى جنب مع زميله الروسي؛ نفس الراتب (الذي يصل لـ 3000 دولار مقارنة بـ 950 دولاراً غير منتظمة في الحدود)، نفس التموين، ونفس الحقوق. أما في الحدود، فقد كان المشهد سريالياً: اليمني في الخطوط الأمامية، والجندي السعودي خلفه بآلاف الأمتار، ليس ليدعمه، بل لتصويب البندقية نحو ظهره حراسةً للمنع من دخول الأراضي السعودية. هناك، أنت تقاتل بدلاً عنهم، وفي روسيا أنت تقاتل معهم بصفتك واحداً منهم.
إذا قُتل اليمني في حدود الربع الخالي، دُفن في الرمال بلا شاهد، وحصل أهله على 20 ألف ريال “مكرمة” لمرة واحدة، وانتهى ذكره. أما في روسيا، فالقتيل هو “شهيد الواجب” في دولته العظمى؛ يحصل أهله على تعويضات تليق بتضحية مواطن، رواتب مستمرة، قطعة أرض، وتكريم رسمي يخلد اسمه في شوارع مدينته الجديدة.
إن اندفاع الشباب نحو الجيش الروسي ليس بحثاً عن الموت، بل هو هروب من “الموت الرخيص” الذي جربوه في جبهات الوكالة. يبحث اليمني اليوم عن عقد يحميه، عن دولة تعترف بدمه، وعن مستقبل يضمن لأطفاله جنسية تحترم إنسانيتهم. قبل أن تنتقدوا من ذهب إلى روسيا، اسألوا أنفسكم: ماذا قدمت “الجارة” لمن بذلوا أرواحهم دفاعاً عن حدودها لسنوات طويلة ولم يحصدوا سوى النكران والضياع.

