صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي

في دهاليز محكمة “يفرس” الابتدائية، بمحافظة تعز، لم يكن القاضي وهو يخطُّ مداد حكمه بفسخ عقد زواج رجلٍ بامرأة، يكتب مجرد حكمٍ بطلاق؛ بل كان -من حيث يدري أو لا يدري- يحرثُ في أرضٍ سبخة من موروثٍ طبقيّ تعفن عبر القرون، ليمنحه صبغةً “قانونية” تجعل من “اللون” و”الفئة” قيداً لا انفكاك منه.

هنا، لا نضع سدنة القضاء في دائرة الاتهام الشخصي، فهم أسرى نصوصٍ تشريعية “عائمة” وتفاسير عرفية غلبت جوهر الدين، لكننا نضع “المُشرِّع” و”العرف القضائي” تحت مجهر النقد، بعد أن أضحى مفهوم “الكفاءة” ثقباً أسود يبتلع قيم المساواة.

إن الخطيئة الأولى في هذا المشهد لا تقع على عاتق منصة القضاء التي تحكم بظاهر النصوص، بل في جسد القانون اليمني الذي ترك مصطلح “الكفاءة” بلا سياجٍ تعريفيّ حاسم. لقد فُتح الباب على مصراعيه للالتفاف على المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، التي أسست بنيانها على صخرة “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

وبدلاً من أن تكون الكفاءة معياراً للأمانة، والخلق، والقدرة على صون كرامة الأسرة، استُدعيت العنصريةُ من مرقدها، ليعاد إنتاج الطبقية “النتنة” في ثوبٍ قضائي، ضاربين عرض الحائط بروح الإسلام التي لم تعرف يوماً فرقاً بين قرشيّ و”مهمش” إلا بالتقوى والبذل.

إن القراءة المتأنية لمسلك أسرة المرأة تكشف عن مفارقةٍ أخلاقية تقشعر لها الأبدان. لقد كان أمامهم مساراتٌ قانونية عديدة للوصول إلى الانفصال -إن كان هو المبتغى- بعيداً عن صخب “عدم الكفاءة” وتهم التدليس. لكنهم اختاروا هذا الدرب الوعر لغايةٍ في نفس “الجشع”؛ فهم لم يرتضوا بفسخ العلاقة فحسب، بل أرادوا اعتصار “حقوقٍ مالية” من مهرٍ مؤجل ونفقات، لا يستحقونها إلا بجعل الرجل “مُدانًا” بجريرة أصله.
وهنا تبرز المفارقة إذ كيف يغدو هذا الرجل “ناقص” في ميزان أنسابهم، و”كاملاً” في ميزان أموالهم؟!

إنهم لم يزوجوه إلا بعد أن أعمى بريقُ ماله بصائرهم عن لون بشرته، فغضوا الطرف عن “التحري” الذي يقدسه العرف، حتى استنفدوا فيء كرمه لسنوات، ثم استيقظت فيهم “نخوة النسب” فجأة حين أرادوا الخلاص.

إن العرف اليمني السائد المستند عليه الأسرة في دعواها، هو ذاته العرف الذي يلفظ فعلها في الوقت ذاته، ف طالما هو خادم ناقص وهم قبائل كمل كان حري بهم سلك طريق الخلع بعوض وهو الطريق السائد السالك و الأسرع والأكثر شيوعا عندما ترغب الزوجة أو أهلها بضغط عليها في إنهاء الزواج دون الحاجة لإثبات “عيب” أو “خداع” في الزوج تطلب الزوجة إنهاء الزواج مقابل التنازل عن حقوقها المالية المهر المؤجل، ونفقة العدة وترد في الغالب أكثر الأسر المهر المعجل طالما المشكلة في عدم الكفاءة و ليست في المال الذي يظهر جليا أنه هو المشكلة و الهدف، حصلت بعد دفع ثمنها مبالغ مالية و حصل الفسخ و حصلت الأسرة على مبالغ مالية أيضاً في كل الأحوال كان الهدف هو المال و عرفا من يطلب من خادم في هذه الحالة وحالات مشابهة كثيرة يقال عنه خادم .


لقد أثبتت وقائع هذه القضية أن الأسرة التي تذرعت بالاستعلاء الطبقي، هي في ميزان القيمة الإنسانية أكثر انحطاطاً ورخصاً ممن وصموه ب الخادم فالرجل بنى بيتاً بجهده وعرقه وصادق بفعله، وهم هدموا بيتاً بزيف ادعائهم وطمع نفوسهم، إنها نموذج مصغر لمأساة وطن، حين تصبح “الأنساب” دروعاً للمتسللين، وتغدو “المحاكم” ساحات لتكريس واقعٍ يفرضه الأقوى سلاحاً أو الأعلى صوتاً، في زمنٍ يراد فيه لليمني القبيلي أن يكون عبداً ل “سيدا قرشي” أو خادم  ل”قبيلي”، غافلين عن أن الإنسان قيمة تسمو فوق الألقاب والألوان.

🔗 رابط مختصر:

اترك رد