صدى الواقع اليمني – تقرير: حسين الشدادي
يظهر طارق عفاش، من خطابات الأمس في معسكر حسن الملصي في سنحان بصنعاء إلى خطابات اليوم في المخا، تحولاً جذرياً ليس مجرد تغيير رأي، بل هو ظاهرة مركبة تُدرّس في العلوم السياسية وعلم النفس الاجتماعي تحت عدة مسميات.
ما يفعله القادة مثل طارق صالح، وكيفية استجابة الجماهير لهم، يمكن تفكيكه عبر مفاهيم البراغماتية السياسية أو الواقعية السياسية؛ وعلمياً، يُسمى هذا النوع من التحول “الواقعية السياسية”، وهي ممارسة السياسة بناءً على الظروف والمتطلبات القائمة بدلاً من المبادئ الأخلاقية أو الأيديولوجية الثابتة.
في حالة طارق صالح، بعد مقتل عمه علي عبدالله صالح وانفراط عقد تحالفهم مع الحوثيين، أصبح العدو القديم (التحالف والجيش الوطني والمقاومة الشعبية) هو الملاذ الوحيد للبقاء السياسي والعسكري. هنا، عند طارق عفاش “الغاية تبرر الوسيلة”، فقام بإعادة تدوير الخطاب ليناسب الممول والداعم الجديد (الإمارات والسعودية).
يطبق طارق عفاش أساليب البهلوانية السياسية -وكأنه درس هذه الأمور، ما علينا 😅- المهم، هذا مصطلح غير رسمي ولكنه دقيق لوصف القادة الذين يمتلكون قدرة فائقة على القفز من تحالف إلى نقيضه تماماً دون الشعور بالحرج. ويُطلق عليه أيضاً الانتهازية السياسية، حيث يتم استغلال الفرص المتاحة لتعزيز النفوذ بغض النظر عن التناقض مع الماضي.
السؤال الآن: لماذا يتبعه الجماهير رغم كل هذا التناقض الفاضح؟
الإجابة العلمية حسب علم النفس الاجتماعي والعلوم السياسية يلخصها مفهوم سيكولوجية التابع، والذي يفسره علم النفس الاجتماعي عبر عدة نظريات منها:
التنافر المعرفي وهي عندما يواجه التابع تناقضاً صارخاً في كلام قائده، يشعر بألم نفسي، لكنه (أي التابع) يتخلص من هذا الألم بتبرير التناقض بدلاً من انتقاده. وهنا يقدم إعلام طارق عفاش للتابعين هذه المبررات فيتلقفها المتلقي بشغف وقناعة وكأنه هو من توصل إليها، لأن عقله يبحث في الحقيقة عن مبررات وليس عن الحقيقة؛ مثلاً قالوا له: “الضرورات تبيح المحظورات”، أو “القائد لديه حكمة لا نفهمها”، وقالوا: “خالد بن الوليد كان كافراً وانتصر الإسلام بفضل خبرته العسكرية”. هذه ليست حقائق، بل هي ما تبحث عنه عقول التابعين الذين هم بكل تأكيد ذوو عقول بسيطة ومتناهية الصغر.
إلى ذلك، توجد في علم النفس الاجتماعي نظرية الارتباط بالكاريزما أو الرمزية وفي اليمن، أنا ولدت وعلي عبدالله صالح رئيساً للجمهورية اليمنية منذ أول حبوة لي وأول خطوة في طفولتي، وأنا أستمع لخطاباته في قناة اليمن الفضائية التي كانت هي الإعلام الرسمي والخطاب الموجه الأوحد قبل ظهور قنوات تجارية مثل قناة السعيدة عام 2007. وقبلها كانت الفضائية اليمنية “فرض عين” علينا.
في عام 2006، زار رئيس الجمهورية اليمنية علي عبدالله صالح قريتي “يفرس” مركز مديرية جبل حبشي بمحافظة تعز. في الصباح، أخرجنا مدير مدرسة الشيخ أحمد بن علوان بِيفرس، الأستاذ نجيب الممشاحي، نحن وجميع الزملاء من المدرسة (بنين وبنات، طبعاً التعليم في المنطقة لا يزال حتى اللحظة مختلطاً). خرجنا من الفصول نصطف على جنبات الطريق العام ليفرس الذي عُبّد بالأسفلت حينها بجهود شيخ منطقة يفرس، الشيخ عبدالله عبدالجليل محمد الشدادي. وقتها كنا نقف بشغف كبير نريد أن نرى “الكبير” في اليمن.
بعد يوم مر سريعاً، في الليل تصلبتُ أمام شاشة التلفزيون من المغرب حتى تمام الساعة التاسعة موعد نشرة الأخبار المحلية على قناة اليمن الفضائية لأشاهد نفسي في القناة وأنا ألوح بيدي للرئيس الذي ظهر من الفتحة العلوية لسيارته الفخمة متوسطاً رتلاً عسكرياً طويلاً وسيارات سوداء كثيرة وغير مألوفة عندي ذلك الوقت.
المهم، في نشرة التاسعة، بقيت ساعة كاملة أشاهد مرور موكب الرئيس علي عبدالله صالح من صنعاء يمر بالطريق نقطة نقطة، وتصاحب الموكب موسيقى تصويرية احتُفرت في الذاكرة حتى نهاية النشرة. ظهرتُ في التلفزيون وأنا ألوح بيدي وأهتف بحماس “بالروح بالدم نفديك يا علي”. في الحقيقة، هذه الهتافات تمرنا عليها في المدرسة قبل زيارة الرئيس. والحقيقة أن “آل عفاش” إرث ارتبط بعقلية اليمني منذ التنشئة بأنهم حكام وقيادات دولة ولا شيء غير ذلك؛ فاليمني، حتى من يسبهم، يؤمن في قرارة نفسه أنهم مشاريع قادة وأكثر خبرة ومقدرة.
اليمني منذ الأزل لا يتبع مشروعاً بل يتبع أشخاصاً، يتبعون بيتاً أو عائلة، والخيارات محدودة كأنها فرض سماوي: إما بيت عفاش أو بيت الأحمر أو بيت بدر الدين الحوثي. الولاء هنا هو لشخص القائد ورمزيتة القبلية والعسكرية، وليس لأفكاره. لذا، أينما ذهب القائد يذهب القطيع معه، لأن الهوية والولاء مرتبطان بالشخص والعائلة والأسرة وليس بالمبدأ.
على المقلب الآخر، يحدث في السياق ذاته تزييف للوعي وعبر بروباجندا مدروسة تنفذها آلة إعلامية تلعب دوراً في غسل الماضي، حيث يتم التركيز على “العدو الحالي” باعتباره الخطر الوجودي، مما يجعل الجماهير تنسى خطاب الأمس في سبيل نجاتها اليوم من الخطر القائم بالقائد “المنقذ” طارق عفاش.
وفي علم النفس الاجتماعي، يوجد مفهوم سيولة الولاءوحسب هذا المفهوم فإنه في البيئات التي تعاني من حروب أهلية وهشاشة في مؤسسات الدولة، يظهر ما يسمى “الولاء السيّال”. الولاء هنا ليس عقيدة، بل هو عقد حماية وأرزاق؛ فالمقاتل أو التابع يتبع من يمتلك المال والسلاح، بغض النظر عن شرعيته وعقيدته القتالية، ولذلك تدافع اليمنيون للحدود السعودية ومؤخراً لروسيا. وبما أن طارق صالح انتقل من “حوثي” إلى نائب رئيس مجلس الرئاسة في الشرعية ومدعوم بإمكانيات ضخمة تفوق ما تملكه الشرعية، فإن المصالح المادية والسياسية تجذب الأتباع الذين يبحثون عن المال، والقوة، والأمان، بغض النظر عن “العقيدة” أو “المبدأ”.
إلى ذلك، توجد مفارقة تلمس عصباً حساساً في سوسيولوجيا الحروب، وتكشف عن ازدواجية معايير بنيوية تسمى في العلوم السياسية عدالة النخبة، وتجسدها المقولة التاريخية المريرة الشهيرة: “إذا سرقت رغيفاً سُجنت، وإذا سرقت بلداً أصبحت ملكاً” ويمكن تفسير هذا التناقض الصارخ بين التعامل مع القادة والتعامل مع الجنود العائدين من صفوف الميليشيات الحوثية إلى حضن الشرعية من خلال عدة زوايا تحليلية:
أولاً: أن القائد يُعتبر رأسمالاً سياسياً مقابل الفرد ك رقم. ف في حسابات الحروب، يُنظر للقادة الكبار مثل طارق صالح عفاش كأصول استراتيجية عالية القيمة وتغير الموازين؛ فانضمامهم للطرف الآخر لا يُعتبر مجرد تغيير موقف، بل ضربة معنوية للخصم وجلباً لانتصار كبير دون تكلفة عسكرية باهظة. لذا، يتم شراء ولائهم بالمال الغزير وصك غفران سياسي كامل، وتُمسح خطاياهم بقرار من القوى الإقليمية والدولية لأن ثمنهم العسكري والسياسي مرتفع. أما الجندي، أو طارف قائد عسكري مهما كانت رتبته العسكرية كبيرة لكنها دون رديف عسكري وقبلي وتأثير جماهيري، فيُنظر إليه كعنصر مستبدل غيابه أو حضوره لا يغير موازين القوى، لذا يُستخدم ماضيه وهو في كنف الشرعية ككرباج لإبقائه تحت السيطرة، أو يُستخدم كقربان لإثبات اليقظة الأمنية للشرعية.
وبما أن الأفراد العائدين من صفوف الحوثيين لا يملكون نفوذاً يحميهم، تصبح تهمة “الحوثية” أو “الخلية النائمة” وسيلة مريحة للسلطات للتنصل من حقوقهم وسجنهم وسرقة مستحقاتهم وعدم ترقيتهم، وإرهاب البقية لضمان أقصى درجات الولاء من الآخرين؛ يتم جعل هؤلاء الأفراد عبرة كما يقولون.
طارق عفاش يملك قوة تفاوضية؛ فهو لا يشغل منصب نائب رئيس مجلس الرئاسة كمنصب فحسب، فهذا ديكور ظاهري يخفي خلفه جيوشاً وسلاحاً لا تملكه الشرعية بفصائلها مجتمعة. لذلك يحاول العليمي والسعودية (عبر قوات درع الوطن) خلق توازن خشية أن يقلب طارق عفاش الطاولة على الجميع، خاصة أيام ذروة انتفاشة المجلس الانتقالي الجنوبي التابع للإمارات. إلى جانب أن طارق عفاش والزبيدي يسيطرون على أهم مناطق استراتيجية في اليمن، وحتى بعد حل المجلس الانتقالي الجنوبي، يملك طارق عفاش جيوشاً وسلاحاً ومناطق نفوذ وسيطرة تعتبر ورقة تفاوضية تضعه فوق المساءلة وفوق صلاحيات العليمي وحتى السعودية.
إلى ذلك، نستذكر في العلوم السياسية مفاهيم مثل المربعات الأمنية المستقلة، حيث تتحول الجغرافيا (مثل الساحل الغربي وباب المندب) إلى عملة مقايضة سياسية تمنح صاحبها حصانة لا يمنحها له المنصب ولا القانون. في هذا السياق، مؤخراً قدم طارق عفاش قواعد بيانات القوة البشرية لقواته، وظن الجميع أنه امتثل للشرعية ولوزارة الدفاع اليمنية، والحقيقة مغايرة تماماً؛ حيث كان ذلك فخاً وخديعة. فبدلاً من الهيكلة، تم تسليم قاعدة بيانات القوة البشرية فقط؛ والفرق بين تقديم “كشوفات الرواتب” وبين “الهيكلة” هو الفرق بين التبعية الاسمية والدمج العضوي. لأن تقديم البيانات فقط يضمن لطارق عفاش استمرار تدفق الأموال من الإمارات، وبالتوازي يملك منصباً في الشرعية يشرعن لمقاتليه من ميزانية الدولة ومن السعودية مع الحفاظ على وحدة القيادة والسيطرة الخاصة به.
الهيكلة الفعلية تعني أن يتلقى القائد الميداني أوامره من وزارة الدفاع وليس من “المكتب السياسي” والمقاومة الوطنية لطارق عفاش. وبالنسبة لطارق عفاش، التخلي عن هذه السلطة يعني التحول من “لاعب إقليمي وفاعل ميداني” إلى “موظف دولة” يمكن إقالته بقرار جمهوري في أي لحظة.
إلى ذلك، فإن السيطرة على المخا ومضيق باب المندب ومحاولة السيطرة على الوازعية ليست مجرد سيطرة عسكرية، بل هي امتلاك “حق الفيتو” في المفاوضات السياسية. هذه المناطق هي “رئة” التجارة المحلية والدولية؛ من يسيطر عليها يفرض نفسه على طاولة المفاوضات الدولية (الأمم المتحدة، القوى الكبرى) كطرف لا يمكن تجاوزه بغض النظر عن ماضيه، وداخلياً يفاوض العليمي وغيره بها.
وبالنسبة للإمارات، التي يعتقد الكثيرون أن مسرحية خروجها من اليمن حقيقة، فهي في الحقيقة متواجدة في اليمن في الساحل الغربي حيث نفوذها البحري الذي لا يمكن بحال أن تتنازل عنه بتلك البساطة التي شاهدناها في المسرحية الهزلية قبل أشهر. وبعد تراجع زخم المجلس الانتقالي، فإن طارق هو “الرهان الأكثر استقراراً” كونه يمتلك قوات نظامية (حراس الجمهورية) أكثر انضباطاً وتراتبية من التشكيلات الأخرى.

