صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي

“في اليمن اليوم، قد تُسلب كرامتك ب منشور، وتُعدم سمعتك ب مشاركة، والأسوأ من ذلك أنك قد لا تجد قانوناً ينصفك بعد أن تظهر براءتك؛ لأن الحكم المجتمعي قد نُفذ بالفعل”

بينما كان اليمنيون، قبل عقد من الزمان، يخطون خطواتهم الأولى نحو العالم الرقمي بحذر ونخبوية، لم يدر بخلد أحد أن “الفضاء الأزرق” سيتحول يوماً إلى مقصلة نصبها “قضاة بلا منصات” ومحامون بلا رداء قانوني. اليوم، وفي ظل فراغ تشريعي يعود بجذوره إلى قانون عقوبات عتيق صاغه المشرع في عام 1994، نجد أنفسنا أمام ظاهرة مرعبة: المحاكمات الشعبوية الرقمية أحمد غازي: “القاضي” الذي لا ينام.

تبرز في مقدمة هذه المشهدية شخصيات مثل أحمد غازي، الذي استطاع عبر قاعدته الجماهيرية الضخمة (312 ألف متابع) أن يؤسس لما يشبه “قاضي يحكم على قضاة” في العالم الافتراضي لا يكتفي غازي بنشر صور الذين يصدر بحقهم حكماً نهائي قاتل سارق مغتصب قبل أن تقوم المؤسسات العدلية في اليمن ب أولى إجراءاتها قبل مقاضاة المتهمين و قبل صدور أحكام المحاكم اليمنية ب الادانة أو البرائة يتجاوز غازي كل ذلك إلى ممارسة دور “وكيل النيابة” و”القاضي” و إن أمكنه دور عشماوي لفعل و في آن واحد و وقت واحد.

يطرح غازي القضايا الحساسة من قتل واغتصاب ونصب، مغلّفاً إياها بلغة عاطفية محفزة لاستجلاب المتابعين و التفاعلات معه (مثل: منحط، مقزز، هول ما رأيت)، ويصدر أحكام الإدانة قبل أن تبدأ أولى جلسات التحقيق الرسمية.



إن الإشكالية ليست في “كشف الفساد” أو “نصرة المظلوم”، بل في المنهجية المتبعة، ف في قضايا غازي، تصبح صورة المتهم “ترند” قبل ثبوت التهمة، ويتحول التشهير إلى “واجب وطني” في نظر المتابعين، بينما تضيع الحقيقة وسط غابة من التعليقات التحريضية.




يعاني اليمن من “انفصام تشريعي” حاد؛ فالعقلية التي تدير منصات التواصل تنتمي لعام 2026، بينما القوانين التي تحاكم التجاوزات تنتمي لحقبة ما قبل “الثورة الرقمية” هذا الفراغ شجع مؤثري “الترند” على الاستفحال، مستغلين غياب العقوبات الرادعة ضد التشهير الإلكتروني.



إن المأساة الكبرى تكمن في قضايا الابتزاز والاغتصاب التي يتناولها غازي وأمثاله ف في مجتمع تحكمه “العيب الأسود” و”العُرف و القبيلة ” قبل القانون، يؤدي نشر صور الضحايا أو حتى التلميح إليهم إلى قتلهم معنوياً واجتماعياً، الناشط هنا، وتحت ذريعة “توعية المجتمع”، يرتكب جريمة أخلاقية كبرى بحق الضحية التي تظل وصمة “المنشور” تلاحقها حتى بعد إدانة الجاني من المحكمة و تنفيذ العقوبة القانونية بحقه.


إن نقد ظاهرة “أحمد غازي” ليس استهدافاً شخصياً، بل هو ضرورة أخلاقية لحماية ما تبقى من سيادة القانون وخصوصية الأفراد، إن الصحافة الحقيقية هي التي تلتزم بقرينة البراءة، وتحترم خصوصية الضحايا، وتنتظر كلمة القضاء.


لقد حان الوقت ليفرق الجمهور اليمني بين “المصلح الاجتماعي” وبين “صائد اللايكات” الذي يقتات على مآسي الناس وقصصهم الحساسة، إن السكوت عن هذا العبث الرقمي هو بمثابة رصاصة في صدر العدالة، وتشجيع لجيل جديد من “القضاة الافتراضيين” الذين لا يملكون من القانون سوى شاشة هاتف واتصال بالإنترنت.

🔗 رابط مختصر:

اترك رد