صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي

  • كاتب صحفي يمني

في عمق الجغرافيا السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، يظل اليمن وأفغانستان بمثابة “الثقوب السوداء” التي تبتلع التوقعات الدولية والتحليلات الغربية والخليجية السطحية، حيث تقف الرؤية الإعلامية التقليدية عاجزة عن تفسير صمود كيانات وانهيار أخرى أمام عواصف التغيير، والسبب في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى حالة من “العمى الهيكلي” تجاه فلسفة الولاء والبراء، واختزال واقع اجتماعي وقبلي معقد في لافتات أيديولوجية براقة.

إن المتأمل في التاريخ الإسلامي الحديث لأفغانستان يدرك أن فخ “أدوات الحرب” الذي سقطت فيه الولايات المتحدة والقوى الإقليمية لم يكن سوى مقدمة لانهيار الدولة، فبينما كان العالم يظن أن “المجاهدين” كتلة واحدة لمجرد اشتراكهم في المذهب السني ومحاربة السوفييت، كشفت مرحلة ما بعد الانسحاب عن صراعات بينية دامية لم تكن في جوهرها مذهبية، بل كانت صراعاً عرقياً وسياسياً على هوية السلطة ومركزية القرار، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لظهور حركة طالبان كقوة “تطهيرية” بشتونية، أعادت ترتيب المشهد بمركزية حديدية وفرضت أمراً واقعاً تجاوز كل الحسابات الدولية التي حاولت استخدام الحركة كـ “مصد سني” ضد النفوذ الإيراني، ليكتشف الجميع لاحقاً أن العقيدة التنظيمية والارتباط بالأرض أقوى من كل الإملاءات الخارجية.

هذا المشهد الأفغاني يجد صداه بقوة في الواقع اليمني الحالي، حيث يعيش المجتمع الدولي والتحالفات الإقليمية حالة من سوء التقدير المزمن لتركيبة “القبيلة” والولاءات في الشمال، فما يصوره الإعلام الخليجي والأمريكي كـ “ترويض” أو “تطويع” قسري لقبائل طوق صنعاء تحت وطأة القوة الحوثية، ليس في الحقيقة سوى “عقد اجتماعي وسياسي” مضمر، يرى فيه أبناء تلك المناطق أن المشروع القائم هو الحامل التاريخي لمكانتهم السياسية وهويتهم الزيدية في مواجهة مشاريع يراها هؤلاء مهددة لمركزيتهم، ومن هنا تبرز مغالطة “فقاعة” أحداث ديسمبر 2017، فبينما راهن العالم على كاريزما الرئيس الراحل علي عبد الله صالح وقدرته على قلب الطاولة من الداخل، كانت الحقيقة الميدانية التي شهدها الصحفيون والفاعلون عن قرب تؤكد أن “السيادة التنظيمية” والعقيدة القتالية التي تغلغلت في مفاصل الدولة قد هضمت الولاءات الشخصية الهشة، وحولت الجماهير الشعبوية إلى ظواهر صوتية عجزت عن حماية قائدها أمام قوة الحسم الجراحي لمن يمتلكون العقيدة والمنهج.

ولعل “بروتوكول الزايدي” الأخير في محافظة المهرة يقدم الدليل القاطع على أن الرابطة القبلية والعرفية في اليمن لا تزال هي الشبكة العصبية الحقيقية التي تحرك الميدان بعيداً عن ضجيج الشعارات، فعندما استنفرت قبائل من صميم معسكر “الشرعية” للنكف لصالح رمز قبلي محسوب على “الحوثيين”، لم يكن ذلك ارتداداً عن المبادئ السياسية بقدر ما كان تأكيداً على أن “الهوية اليمنية” والأعراف التي تحمي “كبار القوم” تعلو فوق المصالح العسكرية المؤقتة وفوق تقسيمات الجبهات، وهذا ما يفسر فشل التحالفات في الطرف المقابل التي تقوم على “ائتلاف الضرورة” وتعدد الرؤوس وتضارب الأجندات الإقليمية بين الرياض وأبوظبي، حيث تتحول القوات الموازية من “درع الوطن” إلى “الانتقالي” وصولاً إلى قوات طارق عفاش، إلى أدوات صراع بيني يستنزف نفسه في حروب نفوذ جانبية كالتي تجري في الوازعية وغيرها، نتيجة غياب “واحدية القيادة” وفلسفة الولاء التي تفتقر إليها التشكيلات التي تعتمد على “الممول” بدلاً من “المعتقد”.


إن الحقيقة المهنية التي تفرض نفسها بعيداً عن مخيال الارياني و شلته في وسائل إعلام الحكومة الشرعية، هي أن السردية التي تروج للصراع في اليمن ك صراع طائفي بحت أو تبعية مطلقة لإيران هي “لافتات تسويقية” تتجاهل المحرك الفعلي، فالحقيقة تكمن في أن القوى التي استطاعت البقاء والتماسك هي التي استثمرت في “الفلسفة الهرمية” والارتباط بالهوية المحلية العميقة، بينما تظل الأطراف الأخرى غارقة في صراعاتها البينية نتيجة لمحاولتها بناء جيوش موازية وولاءات مدفوعة الأجر لا تصمد أمام الاختبارات الوجودية، لتظل القبيلة اليمنية هي اللاعب الذي يغير بوصلته وفقاً لما يضمن “مكانته السياسية”، وليس وفقاً لما تمليه رغبات القوى الخارجية التي لا تزال تجهل أن السلاح في اليمن قد يشترى، لكن “الولاء والبراء” تمليه الأرض والعُرف والتاريخ.

🔗 رابط مختصر:

اترك رد