صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي

  • كاتب صحفي

في ثنايا التاريخ اليمني، تبرز شخصية الشيخ الأكبر والإمام العارف أحمد بن علوان ت 665 هجرية ك ظاهرة روحية وعلمية فريدة، لم تصغها الصدفة، بل صاغها نبل المحتد، وعمق المعرفة، وسطوة الزهد،  هو الرجل الذي جمع بين دولة الدنيا و دولة الآخرة، فكان وارثاً لمجد سياسي تليد، وصانعاً لمجد روحي عظيم لا يَبلى.


لم يخرج ابن علوان من أقبية الفقر، بل وُلد وفي فمه “ملعقة من ذهب”، في كنف أسرة كانت هي الركيزة الصلبة التي قامت عليها إدارات الدول المتعاقبة في تاريخ اليمن الذهبي ف والده، علوان بن عطاف، لم يكن مجرد “كاتب” ب المعنى الإداري البسيط، بل كان رجل الدولة القوي ومهندس سياساتها في عهد الدولة الأيوبية، ومن ثم الدولة الرسولية التي كانت امتداداً طبيعياً لها.

كان علوان بن عطاف هو “العقل المدبر” و”الداتا” الحية للدولة؛ يمتلك الكاريزما والنفوذ والعلاقات العابرة للحدود، مما جعله المستشار الذي لا يُستغنى عنه لأي سلطان، و في هذا الترف الباذخ والنفوذ المطلق، نشأ الشاب أحمد، لكن والده أراد له أن يكون “عالم دولة” بامتياز، فأحضر له المعلمين من أصقاع الأرض، من الهند وفارس والشام، ليتلقى علوم الدين والسياسة والاقتصاد، ويتقن لغات شتى، وهو ما نلمسه بوضوح في نتاجه الشعري الذي يذخر بمصطلحات أعجمية وسريانية وفارسية، تدل على سعة إطلاعه وانفتاحه الثقافي المبكر.

مارس أحمد بن علوان وظيفة والده “كاتباً للسلاطين” ردحاً من الزمن، خَبَر فيها دهاليز الحكم وسياق السياسة، لكن الروح التواقة للزهد جُذبته نحو عالم آخر، لم يترك ابن علوان قصور أسرته و بلاط سلاطين بني رسول “هارباً” من بطش، ولا “متمرداً” يحمل طموح سياسي، بل تركها “زاهداً” متصوفاً.

وكانت رسائله لسلاطين بني رسول رسائل “نصح ومكاشفة”، لا رسائل “عداء ومنافسة” كان يعاتبهم عتاب المحب، ويذكرهم بحق الرعية وخوف الله، وبالمقابل، كان سلاطين بني رسول أتقياء و يعرفون قدره وقدر أسرته، ف ظلت مكانته لديهم رفيعة، ولم يمسوا جنابه بسوء، لعلمهم أن اعتزاله لم يكن إلا لله وفي حب الله.

وحين استقر المقام بالشيخ في يفرس بمديرية جبل حبشي، بمحافظة تعز، تحولت هذه المنطقة بفضل وهجه الروحي إلى “قبلة للقلوب” ولم يكن تكريم بني رسول له مجرد شعارات، بل تجسد في بناء جامعه التاريخي في منطقة يفرس حيث يرقد الشيخ الأكبر الامام الصوفي أحمد بن علوان في ضريحه المهيب بميزانيات ضخمة جداً جداً ب مقاييس ذلك العصر جعلت من يفرس التي رصفت شوارعها و عبدت عديد طرق منها و إليها إلى عاصمة روحية تنافس كبريات المدن، اليمنية و ذاع سيطها في عموم اليمن.

و جامع الشيخ أحمد بن علوان الذي يقرب عمره الألف عام  يعد معلم معماري، ب منارته البديعة هندسيا و قبابه البيضاء السامقة، لم يكن لولا التقدير العميق من الدولة الرسولية للشيخ؛ فلو كان متمارداً أو مطارداً لَمُحي قبره وطمس ذكره من سجلات التاريخ، ولَمَا بُني له هذا الصرح الذي خلد فكره وجمع آثاره الشعرية والنثرية.


ولأن العظماء يجذبون العظماء، فقد جاء من بعدهم الملك عامر بن عبدالوهاب من سلاطين الدولة الطاهرية  ليضع بصمة تاريخية أشتهر ب الاعتناء و التفنن بها و هي السواقي و في يفرس، أنشأ الظاهر عامر بن عبدالوهاب”ساقية جامع الشيخ أحمد بن علوان”،
هذه الساقية ليست مجرد قناة ماء، بل هي أعجوبة هندسية تتحدى الزمن، و الجغرافيا و الفيزياء و الهندسة تمتد لأكثر من كيلومتر، و سبعمائة عام وتخترق الجبال الصلبة وتنساب عبر دهاليز معقدة من منطقة جبلية تسمى”هدارة”، اعتمد في تصميمها على قوانين فيزيائية دقيقة لضمان تدفق المياه انحدارياً وتغلغلها خلف الجبال لتصل إلى قلب يفرس والجامع العلواني.

ورغم مرور مئات السنين وعوامل التعرية والإهمال، لا تزال هذه الساقية حتى يومنا هذا هي “شريان الحياة” والمنهل الوحيد الذي يسقي أبناء منطقة يفرس، شاهدةً على فخامة الحضارة اليمنية القديمة.


إن الشيخ الأكبر الامام الصوفي أحمد بن علوان هو الجسر الواصل بين القوة والزهد، وبين العلم والعمل، هو الشاعر البليغ الذي خاطب الروح بلغات شتى، والفقيه الذي لم تفتنه الدنيا وهي تحت قدميه، ويظل جامعه وساقيته في يفرس شاهدين على أن “دولة الروح” هي الأبقى، وأن الذكر الحسن هو الثروة الحقيقية التي لا تفنى.

رحم الله الإمام أحمد بن علوان، الذي علّم الأجيال أن القمة لا تُنال إلا بترك القمة من أجل الحق، و إن الزهد ليس الافتقار للمال بل امتلاك المال في اليد  لا في القلب ، أن يكون مجرد وسيلة كما ينبغي لا غاية كما هو حاله و أحوالنا معه و بدونه..

🔗 رابط مختصر:

اترك رد