صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي
تكدست الحاجة والفقر في اليمن بزيادة مهوولة بفعل سنوات الحرب الطويلة ويعيش الفقراء والمستضعفون في اليمن حياتهم على صفيح الحاجة الملتهب، حيث لا مأوى لهم إلا عزيمتهم، ولا سند إلا بصيص الأمل الذي يلوح أحيانًا في بضع تمويلات و قروض البنوك الإسلامية في اليمن لتمويل مشاريع متناهية الصغر لتأمين ضروريات البقاء قيد الحياة و الكرامة.
نحن الغالبية الساحقة جداً جداً من الشعب اليمني، نحن أصحاب المداخيل الضئيلة، و المنعدمة، والحاجات الملحة، والآمال الصغيرة، يقف بعضنا على أبواب البنوك أو المعارض التجارية ليجدوا أنفسهم أمام ما يُسمى “التمويل الإسلامي” أو “المرابحة” – كلمات توحي بالرحمة والعدل، لكنها في الواقع أصفى صور الاستغلال للضعفاء باسم الشرع والقانون.
تأملوا الأمر: شخص فقير بحاجة إلى أداة عمل، أو حتى سلعة أساسية، يذهب إليها باحثًا عن حل يُعينه على كسب رزقه أو تلبية حاجاته. يجد أمامه عرضًا من معرض أو بنك: “خذ السلعة الآن، وسدد لاحقًا بزيادة محددة، ثابتة، لا تتغير، لأن القانون والشرع يجيزانها”. ظاهريًا يبدو الأمر مشروعًا، لكن في باطنه، الزيادة المقررة تثقل كاهله، وتجعله يدفع ضعف ما يحتاج فعليًا، بينما الجهة المانحة للتمويل تخرج بلا مخاطرة، وتربح بأمان على حساب محتاج.
هنا يظهر التناقض الجوهري بين الشرع والفقه والتطبيق الواقعي: بينما يُحرَّم الربا في النصوص القطعية ليحمي الفقراء والمستضعفين، تُصاغ صيغ قانونية وشرعية، كـ”المرابحة” و”البيع الآجل”، لتكرس قوة الأغنياء على الضعفاء، ليظل الفقير يدفع الثمن – حرفيًا ومعنويًا – باسم الدين، وباسم ما يسمونه اجتهاد الفقهاء.
ليس مجرد تعامل مالي، بل عبء معنوي واجتماعي: كل زيادة محددة سلفًا هي رصاصة على ظهر الحاجة، وجسر ممتد بين الغنى والفقر، يقيمه القانون والدين الظاهري. الفقراء لا يملكون القدرة على المفاوضة، ولا يملكون بديلًا، إلا أن يرضخوا، فيظنون أنهم يطيعون الشرع، بينما واقعهم شهادة على ظلم شرعنه فقهاء و علماء المال والسلطة.
إن الوقوف مع هؤلاء المستضعفين ليس مجرد تعاطف، بل واجب إنساني ووطني. من حق الصحفي أن يرفع صوتهم، أن يسرد مأساتهم، أن يفضح الازدواجية بين النص والواقع، أن يكتب أن “الشريعة والفقه في التطبيق العملي، أحيانًا تصبح أدوات للاستغلال باسم الحماية”.
فلتسمعوا صوتهم، فهؤلاء الفقراء لا يملكون صحيفة، ولا يمتلكون منصة، ولا يمتلكون إلا حياتهم البسيطة التي تُسرق منهم باسم ما يظن العالم أنه عدل. الصحافة الحقة، والأدب الصادق، والضمير الحر، يقف معهم، يكشف الظلم، ويُعيد إلى الحق نصيبه، ولو في كلمات تنشر في صفحات الجرائد، أو تقرأ في أذن العالم الصامت.

