صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي
في أقصى الغرب حيث تبنى الدول على فلسفة الحقوق لا على هندسة الامتيازات تتجاوز المواطنة في الولايات المتحدة حدود الوثيقة الرسمية لتغدو عقداً وجودياً بين الإنسان والأرض. هناك لا ينظر إلى الوطن بوصفه سلطة تعلو على الفرد بل شراكة تحفظ له حقه في الحياة والكرامة والثروة. فالأرض ليست مجرد تراب يداس بل ملكية تمتد إلى باطنها بما يختزنه من نفط وذهب وخيرات وتتكفل الدولة بوصفها راعية لا جلاداً بتأمين الرعاية الصحية وفرص العمل وحد أدنى من العيش الكريم وكأنها تهمس لكل مواطن أنت شريك في هذا الوطن لا مجرد تابع على هامشه.
وعلى الضفة الأخرى من العالم تهبط الصورة إلى تضاريس اليمن المثقلة بالفوضى والانكسارات حيث ترفع شعارات السيادة وملكية الدولة للثروات لا صوناً لحقوق الناس بل انتزاعاً لما تبقى لهم من حق في الحياة. هنا يطالب المواطن باحترام القوانين التي تمنحه نظرياً خدمات مجانية لكنه يصطدم عملياً بدولة تحول أبسط حقوقه إلى سوق مفتوح للابتزاز من أقسام الشرطة إلى أروقة المحاكم حيث يدفع الإنسان ثمن العدالة قبل أن ينالها ويستنزف في سبيل الحصول على ورقة أو ختم أو حق مسلوب أصلاً.
وبين هذين العالمين تتشكل مأساة الوعي المهضوم. صحفي مستقل تخرج من جامعة صنعاء عام 2016 بمرتبة الشرف حاملاً حلم الجمهورية والعدالة ليجد نفسه بعد سنوات من النضال ضد مشروع عنصري إقصائي في الشمال أمام حقيقة أكثر قسوة من الهزيمة. إذ اكتشف أن الوجوه قد تتبدل والشعارات قد تتزين ببريق الشرعية والاعتراف الدولي لكن جوهر السلطة يظل واحداً قائماً على المحسوبية والاستحواذ والإقصاء.
لقد تلاشت الفوارق بين أطراف الصراع حتى غدا الهارب من الظلم يقع في قبضة ظلم آخر بملامح مختلفة. فالعنصرية التي فر منها اليمنيون في صنعاء استقبلتهم في تعز بوشاح من المثالية الزائفة بينما بقي الواقع ذاته. كفاءات تقصى وأوائل يلوذون بمنازلهم وصحفيون ومثقفون يقتاتون الصبر بدل الرواتب في حين توزع المناصب والفرص داخل كواليس الولاءات الحزبية والمناطقية وتدار البلاد بالمحسوبين لا بالمؤهلين.
ولم تعد الفاجعة حكاية فرد معزول بل تحولت إلى مشهد عام لوطن كامل. صحفيون كبار وعقول نادرة وأسر كانت تعيش في سعة وكرامة باتت اليوم تتخبط في جحيم مموه باسم الشرعية. فالمواطن اليمني الذي خرج يوماً مطالباً بجمهورية تساويه بغيره وجد نفسه ضحية دائمة لأطراف متصارعة سياسياً متطابقة سلوكاً وفساداً.
ولو كان القهر ثمناً لفردوس شعب بأكمله لهان الاحتمال ولغدا الصمت نوعاً من الفداء. لكن أي معنى للتضحية حين يرى الصحفي نفسه رقماً مهملاً في سجل الضحايا. يطارد لرأيه ويصادر حلمه بينما تباع كرامة منطقته في مزادات النفوذ وتهدر دماء البسطاء وقوداً لمعارك الجميع.
إننا اليوم لا نحلم بالثراء ولا بالترف بل بالكفاف والعفاف وبحق بسيط في مواطنة لا تذل أصحابها. نحلم باستقلال مادي ومعنوي يحرر الإنسان اليمني من الارتهان لكل الأطراف التي لم تقدم له دون استثناء سوى الوجع والضنك المغلف بالوعود. وعود تبدأ بالكهرباء النووية ولا تنتهي عند شعارات الخلاص المؤجل فيما يبقى الوطن عالقاً بين فكي عنصرية صريحة وعنصرية ملتوية وبين مواطن يدفع ثمن أنفاسه في مكاتب الدولة وآخر يبيع عظامه وقوداً في أسواق الحدود بثمن بخس ودولة لا تراه ولا تسمعه ولا تعترف حتى بوجعه.

