صدى الواقع اليمني – كتب: حسين الشدادي
بين صخور الجبال الوعرة في جازان وعسير، وتحت لهيب شمس “البقع” و نجران، تتكشف واحدة من أكثر الماسي الإنسانية والسياسية تعقيدا ً في المشهد اليمني المعاصر، حيث يرابط آلاف المجندين اليمنيين على طول الشريط الحدودي للمملكة العربية السعودية، هناك كما تبدو من البداية المعركة ليست دفاعاً عن اليمن، بل شراء درعٍ بشري و فير، من تجار النفير و الدين؛ لخوض معركة بالوكالة لا تهدف لهزيمة الحوثي بل منع تقدمه إلى العمق السعودي ب خسارة مالية تافهة بالنسبة للسعودية التي تحافظ ب طوق صعدة الحفاظ على سلامة جيشها و معداتها العسكرية الباهظة الثمن ب نفير يمني رخيص.
إلى ذلك فإن المنطق العسكري والسياسي لا يجد حرجاً في إطلاق وصف المرتزقة على تلك الحشود؛ ف المجند هناك يقاتل دفاعاً عن أرض غير أرضه، و بالنيابة عن جيش بلد غير بلده جيش يمتلك من العديد والعتاد و التكنولوجيا العسكرية و والمال الغزير ما يكفي لغزو دول عدة، لكنه يفتقر للرغبة في مواجهة الكلفة البشرية المباشرة، بعد هزائم عدة تكبدها ومشاهد أظهرت ردائت عتاده العسكري رغم حداثتها و ضخامة تكاليفها، أظهرت تجربة الجيش السعودي في فاتحة الحرب على الحدود السعودية ب الصوت و الصورة جيش المملكة العربية السعودية ظهر جلياً كرتوني رغم فارق الإمكانيات القتالية لا قوة له و لا رغبة في خوض المعركة للدفاع عن وطنهم السعودية.
وما يعزز وصف المجندين اليمنيين هناك هو اللا انتماء المؤسسي؛ ف هؤلاء المجندون لا يملكون أرقاماً عسكرية تربطهم بوزارة الدفاع اليمنية، ولا هم جزء من الهيكل النظامي لوزارة الدفاع السعودية، هم مجرد “أسماء” في كشوفات تعريفية، وخانة الرقم العسكري لديهم فارغة، مما يسقط عنهم صفة “الجندي الوطني” ويحولهم إلى “شقات باليومية” في سوق النزاعات المسلحة، تدير مستحقاتهم شركات مالية سعودية وسيطة بعيداً عن البروتوكولات العسكرية الرسمية.
و تتجاوز المأساة التوصيف السياسي لتصل إلى عمق الاستغلال المعيشي ف المجند الذي يواجه الموت يومياً يحصل على راتب لا يتجاوز 500 دولار شهرياً، وهو مبلغ زهيد مقارنة بحجم الامتيازات الأسطورية التي يحصل عليها الجندي السعودي الذي يقاتل اليمني نيابة عنه، حيث تصل تعويضات قتلى الجيش السعودي إلى مليوني ريال فضلاً عن الأراضي والتكريم، بينما يدفن “المرتزق” اليمني في رمال الربع الخالي بلا شاهد قبر أو ذكرى.
أما عن سياسة “صرف الرواتب”، فهي عملية استنزاف نفسي ممنهجة؛ حيث تمتد فترات الانقطاع لأكثر من عام، وعند الصرف يتم دفع مستحقات ستة أشهر وإسقاط الستة الأخرى عمداً، في عملية سطو واضحة على عرق الجباه المحترقة في المتاريس.
و لا تتوقف المعاناة عند المال، بل تمتد للحقوق الإنسانية البسيطة لا يحق للمجند نيل إجازة إلا بعد سنوات من الخدمة المتواصلةو إذا تجاوز المجند مدة إجازته الشهرين لظروف قاهرة في بلده المثخن بالجراح، تُسقط رتبته المالية ويُمنع من العودة، ويتبخر تاريخه القتالي وكأنه لم يكن يوماً حارساً للحدود السعودية.
وفي حالات الأسر، يجد المرتزق نفسه وحيداً؛ فلا وزارة الدفاع اليمنية تعترف به ك فرد من منتسبيها، ولا الجانب السعودي يقبل بدمجه في صفقات التبادل الرسمية كأولوية، ليظل “خارج الحسابات” في كل تسوية.
وبينما يذود أفراد الجيش الوطني في جبهات تعز ومأرب والساحل الغربي عن تراب وطنهم، متمسكين بهويتهم اليمنية رغم شحة الإمكانيات، يقف نظراؤهم في الحدود السعودية في موقف “مخزٍ” لا يحفظ لهم حقاً ولا يمنحهم كرامة انها “تجارة النفير” كما وصفها والدنا الكاتب الصحفي الكبير محمد المساح رحمه الله تعالى التي حوّلت الإنسان اليمني إلى ساتر ترابي يحمي جيشاً لا يملك شجاعة الذود عن حدوده، ويترك من يقاتل نيابة عنه يموت غريباً، بلا إقامة، بلا راتب، وبلا وطن يحتضن رفات جثمانه.

